العنقود الأخير
عصافيرك . أجيء كرومك أتملى من عناقيدها المشرقة ، ما أرى مثلها في الكروم ... فإذا كرمك أخضر مليء بالعناقيد ، وكرمنا يابس عناقيده مصوّصة ، لا يطلع في بالي لا عنقود كرمنا ، ولا العصافير التي فيه .
فاشرق وجهه ، وشاعت على جبينه فرحة ، وفرك يديه ، وجلس بجانبي تحت البطمة ، وحدثني ساعات طوال عن حكاية حياته التي هي حكاية الأرض ، في ضيعتنا ، لا بل هي حكاية الأرض في كل ضيع لبنان ...
حدثني عن الصخور التي صارت تراباً والتراب الذي صار كروماً من عنب هنا وكروماً من زيتون هناك .
قال : اسمع ، أنت لا تذكر شيئاً .. لم تكن بعد قد ولدت ... كان هذا الكرم الذي تراه هكذا ، صخراً وغابا .. ورثته عن والدي صخراً وغابا .. وأورثني والدي كثيراً من الصخور ... أنا حولت الصخور إلى بيوت ، وحولت الغاب إلى كروم ... لا تسألني كيف عملت وكم عملت ... عمري كله قضيته هنا ... وفينا للأرض يابني فوق الأرض لنا ... أعطيناها شبابنا ، صحيح ، أنا ما نعمنا كما تنعمون ، ولا أكلنا كما تأكلون ، ولا ننا كما تنامون .. ولكننا لن نخشى أن نجوع كما تخشون ...
وهزني في كتفي « ستجوعون ... أنتم في طريق الجوع .. تفتشون عن القرش الفايش ، قرش الوظيفة فايش
يا أولاد ... يأتي من هنا ، ويذهب كأنه ما جاء ...
ماذا فعلت لك وظيفتك في المدينة ؟ هذه كرومكم يابسة ... اغرسوا فيها غرسة من قرش الوظيفة إذا قدرتم ! ... لن تقدروا ...
قرش الأرض وحده الذي يبقى ...
منذ عام مات الفلاح اللبناني الأخير في ضيعتي ، وفي هذا الصيف قال لي أولاده الثلاثة وأقسموا أنهم لم يشبعوا من العنب ، ولا شبعوا من القمح ، فقد يبست العناقيد على أمهاتها ، ولم تشبع بقراتهم ، فقد يبس الورق مع العناقيد ...
قالوا : إنها دودة نخرت أشجار العنب في الضيعة في هذا الموسم . وقالوا : إن السماء كانت بخيلة بالمطر في هذا العام ... ولم يقولوا : إن يد الخير في ضيعتي قد تحولت إلى يد بطالة .
وعمروا لنا ، في ما عمروا من البركات ، بيوتاً للإيمان ، في كل حارة من حارات الضيعة بيت الله .. عمروها بالإيمان للإيمان ، ليبقى الإيمان فينا ما بقيت بيوت الله عندنا ... ما أنفقوا فيها قرشاً من أموال الشيطان ... تكاتفوا وتساندوا وعملوا في النهار ، وفي ضوء القمر ، وعملت المحبة معهم .. كانوا مع الله ، فكان الله معهم .. ورفعوا بيوت الله عالية ، بالمحبة .. وسمعت جدران تلك الكنائس تلك الأصوات الغليظة ترتفع بالصلاة إلى الله ، وبالشكر ، وتلك الأيدي المباركة تبتل إلى الله ...
وفي هذا الصيف عدت إلى ضيعتي ،
فإذا واحد من هذه البيوت المقدسة ينهار على نفسه ، لو لم يتداركه رجل في المهجر ، من أولئك المباركين أنفسهم ، عمّره مرة ثانية ، وإذا اثنان مهجوران ، إلا من أيقونات عفنات مهترئة ، وكتب مخلعة ، محت الرطوبة حروفها المقدسة ، وجدران معتمة صماء ، لا تسمع صوتاً يتردد باسم الله ...
إن الله راح من ضيعتي يوم راح المباركون ، وما أدري متى يعود الله إلى ضيعتي ؟؟
وحفر لنا أولئك المباركون ، في الصخر عيناً من الماء .. فاض ماؤها نقياً صافياً ... حسدتنا القرى على العين التي لا تنضب .. وشربنا منها وترحمنا عليهم . لولاهم لمتنا من العطش .. ولكن العين ، من يومها ، وهي على ما هي .. لا ضرب فيها معول ، ولا نزلت في الأرض شبراً . والقرية ، بحمد الله ، تكثر وتكثر ..
وأمس سمعتنا القوية ، تتصايح وتتشاور :
ما في العين ماء .. وتشاورنا وتصايحنا ، والعين تجف ، ودرها لا تصل إليها حوافر الدواب ...
تسألني : وماذا عندكم من الخير في ضيعتكم بعد ؟؟
عندنا ضوء القمر والنجوم ... نعمة من السماء ، لا يد فيها ولا منة لأحد منا ..
وعندنا من الخير ، هذه المقبرة التي يرقد فيها أولئك المباركون الأتقياء .
