ان كل ذكرى مجيدة تحمل في إهابها عبيراً خاصاً، فيه
نشوة وعظة ودروس.
وان البطولة التي تتمثل في هذه الذكريات تتفاوت في
درجات العظمة والفضل، كما تتفاوت في ما تحمله من مجد
الحياة، ورفعة الروح.
وعندما تبلغ بطولة الروح أوج عصمتها تكون وسيلة فعالة
لانقاذ البشرية ورفعها الى ايجاد التضحية والسمو، وتكون من
الاسباب التي تسير بالاجيال في مدارج اليقظة والتطور
والنهوض.
ولكن ذكريات البطولات مع ايجادها جميعاً، ما هي إلا
شموع خابية الاشعة امام الضياء الاعظم من سناء محمد بن عبدالله،
وانها لتتضائل امام ما تحمل هذه الذكرى المباركة - ذكرى
مولد النبي الشريف - من مُثل عظيمة تثير في القلب احساس
الاكبار والتعظيم. وترسم من الاخيلة صوراً تملأ القلب
خشوعاً وتمجيداً.
انها موكب من جلال
النفوس الطاهرة تمثلت في
ابطال علوا عن موضعيات
هذا الوجود، فمشوا في ركب
الرسول الاعظم، الذي اعطاهم
المثل الاعلى، وهداهم الصراط
المستقيم، صراط الذين انعم
الله عليهم، فما كانوا من الضالين.
ان في هذه الذكرى مثالاً لعظمة الجهاد المقدس، جهاد
رسول من عند الله، لا كجهاد ذوي الاطماع للاستئثار
بالسلطان، بل لتحرير الروح وتهذيب الخلق وتطهير الضمير،
عن سبيل الدعوة الى دين حنيف يزيل عن الصدور كابوس
عبودية للوثنية الشاملة: وثنية في العبادة ووثنية في الميول،
تحجرت على أثرها العواطف، وتدحرجت الى حضيض
الكفر بالله.
وان شر الجهالات التي اصيبت بها الانسانية، حلك جهالة
لارادة الله العليا، التي تشير دوماً الى قبس الحق الذي ينير
النفوس، وينشر هالة الخير في الوجود.
ان الايمان الحقيقي عندما يملأ القلوب، يصوّب قوسها


الى الخير، ويوجه ميولها الى الصلاح، ويسمو بناها الى
الحقائق الرفيعة، فتنكشف عن البصائر حجب من زيوف
الحياة، ليستقر نور الآله في أعالي الكمال.
لقد كانت رسالة الرسول صلى عليه وسلم ديناً، وفي الدين
ايمان، ومن الايمان ينطلق نور، وفي النور وضوح وعلم ويقين.
وفي العلم قوة توقظ الروح وتهب الحياة، وفي الحياة سمو
وعلو واتصال بالحق الاعظم. وهناك في الافق السامي متعة
روحية يتضاءل امام عزتها كل متاع.
لقد جاء محمد بن عبدالله بشريعة سماوية سمحاء فيها نظم
ودساتير، وفي النظام مانع للشرور، ورادع للاهواء، ومبيد
للاعتداءات، وناشر للعدل والمساواة، فساوى بين الغني والفقير،
والقوي والضعيف، والمرأة والرجل، في كل ما يجب ان
يتساوى به الانسان الكريم.
فقال عليه السلام: «ان اكرمكم عند الله اتقاكم». وانه
«لا يكمل ايمان احدهم حتى
يحب لاخيه ما يحب لنفسه».
نادى بالناس: «الله
اكبر» فتجاوبت الاصداء
في اعماق القلوب واتجهت لله
لا تعبد إلاّ اياه. فلا عبادة
لمال او جاه او ترف، بل
زهد فيها، وترفع عن متعها، وقدرة على ترويض النفس
لنكران الذاتية المستغلة والانانية المتلفة، وقوة على
الارتباط برباط المحبة الصادقة والاخوة الشاملة بين افراد
الانسانية جمعاء.
وحينا عرضوا عليه المال والسيادة والجاه ليتنازل عن
رسالته ويعبد ما عبد قومه من قبله، قال: «والله لو وضعوا
الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الامر،
ما تركته حتى يظهره الله او اهلك دونه».
وبهذا ايقظ امة جاهلة حملت الى العالم مدنية عربية كانت
حلقة مشعة في سلسلة مدنيات الشعوب.
فسلام على هذه الذكرى المقدسة، وصلى الله على
رسوله وسلم.
٥
