وحدث اثناء ذلك الصيف الاخير انني بكّرت يوماً لارافق «البنت» الى السوق، فناداني ابي واعطاني ديناراً عثمانياً واوصاني ان اسلمه للّحام.
كان منظر الساحة متعة، بالقرويات ذوات الاثواب الزاهية الجالسات قرب الاطباق، وبروائح النعناع والتفاح والبطيخ الاصفر والدراقن ذي الوبر الزهري الناعم، وبالخيار يقضمه الناس قضماً فتفوح رائحته الى مدى بعيد.
وكان على مقربة من الساحة بيت ينزل اليه بعدة درجات، امام مدخله مسطبة كبرى مفروشة بالبلاط النظيف، على تلك المسطبة كنت ارى دائماً سيدة على جانب عظيم من الرواء ترتدي اثواباً صباحية فضفاضة من الحرير او المخمل الثمين وتجلس تدخن النارجيلة وحولها عدد من السيدات.
وصلنا الى الساحة وقصدنا توّاً الى اللحام وكان قد علق الخروف في سقف خيمة صنعت من جذوع الاشجار المغطاة بورق الدوالي ووقف يقطع اللحم قرب مائدة لعدد كبير من الزبائن.
واقتربت منه.. هل سلمته الدينار؟ هل وضعته على المائدة امامه؟ لست ادري.
اذكر ان الناس تلفتوا ليتفرجوا على تلك السيدة الفاتنة «ذات النارجيلة» وقد جاءت الساحة تميس بثوبها المخملي، وقد رفعت ذيله عن الارض بيد بضّة بيضاء، ومشى وراءها عدد من رفيقاتها خيّل اليّ انهنّ وصيفات لها.
وطبعاً... وقفت امتع نظري عن قرب بذلك الذي «يسبح الخالق» كما كان يقول ابي عندما يصف وجهاً جميلاً، واختفت «البنت» فذهبت استطلع امرها ولما وجدتها قالت:
ثم ادخلني غرفة المقعد واقفل الباب، كانت دموعي تنهمر كالسواقي فقال بتأنٍّ:
- امسحي دموعك، واسمعي: هل تذكرين تماماً انك سلّمت الدينار الى اللحام يداً بيد؟ اذا كنت، يا بابا، لا تذكرين تماماً فلا تزيغي عن الحق - واستعمل كلمة تزيغي - لقد علم الناطور وهو يتهم اللحام، وقد يدخل هذا الى السجن، وقد يكون بريئاً. قولي يا بابا.
ونظر في اعماق عيني بعينين مشفقتين صادقتين فقلت والدموع تخنقني:
- لا اقدر ان اقول اذا كنت اعطيته اياه يداً بيد ام وضعته على المائدة، ام سقط من يدي على الارض.
وجذبني اليه، فاختبأت في صدره وشعرت عندما كان يقبلني انه يشمّ شعري وعنقي شمّاً عميقاً. واخيراً قال:
- يا بابا! اذكري دائماً ما سأقوله لك. لا تقولي ابداً الا ما تتأكدين انه صدق وحق.