ما تزال صورته في خاطري ، ملء خاطري ، يتلوى على سرير الاوجاع ، مشيحاً بوجهه عنا ، يخفي دمعتين طفحت بها عيناه . ما يزال صوته في اذني يقول بتهجّد :
« ماذا عملت انا لهؤلاء الناس ، يتواكبون على بابي للسؤال عن صحتي ؟ عجيب أمر هذه اللهفة الحانية ، تأبى ان تستتر بدمعات مكبوتة تترألأ في الاهداب ، او خلف ابتسامات مصطنعة لا تحمل كل علام الاطمئنان !..
... وجوهٌ لم ارها من سنين ، ووجوه جديدة على عيني ما عرفتها قبل اليوم ، من الشام ؟ ، من الارز ؟ ... ووجوه من كورتي الحبيبة ، نحاسية مغضّنة ، رمت السكة والمعول - هي التي اوقفت حياتها للسكة والمعول - وخفتّت بعكازها جازعة تستطلع الناس : اين تكون بيروت هذه ؟ اين يكون المستشفى الذي ينام فيه « تموز » ؟..
... هؤلاء ، من جميع الناس ، اكثر من يستدرّ دموع الفرح في عيني ، انهم ناس طيبون ، ورجائي اليكم ان تكرّموهم وتحترموهم ، وان تقدّروا نبل العاطفة التي حملتهم لزيارتي ... دوّنوا اسماءهم ... دونيها يا جوزفين ، ولا تنسي اسماً واحداً ، لكي لا انسى انا واحداً منهم ، يوم اتعافى باذن الله ، سأزورهم جميعاً واشكرهم ، وسأكتب في عواطفهم اشياء حلوة ... لاشيء يفعل في نفسي ويهزها هزاً كهذا الدفق العاطفي ، يغمرني به الناس - جميع الناس ...
ماذا عملت انا لهم لاستحقه ؟
لمَ يتواكبون على بابي وليس في خزائني ذهب ولا فضة ؟
ولمَ يتلهفون عليّ وليس لي نفوذ او سلطان موروث ، يرجون من ورائه خيراً ...
ما كان احوجني الى هذا الداء ، لاكتشف عن طريقه هذه العواطف السامية ... انني اكاد ادرك سرّ الكون ومغزاه البعيد ...
ما اغناي بمحبة الناس ! . وما اعظم المحبة ! ، المحبة التي تعطي والتي لا ترتفع فوقها عاطفة . أفي الناس كل هذه المحبة ونخشى بعد ظلاً لحقد او كراهية ؟ ... هذه ضئيلة هزيلة قَلِقة ، والمحبة كبيرة جليلة عظيمة !!.

