شاكراً له الإعانة على توظيف المال، مذكراً إياه أن مشايخ جاد الله كانوا دائماً يعطفون على محاسبهم بيت نبهان. فلا عجب إذا تنازل الشيخ عجاج فأسعف محسوبه ابن نبهان، بأن اشترى منه واستدان!
وحانت ساعة الانصراف، فأقفلوا المخزن، وخرج منه المستخدمون بالعشرات وجاءت سيارة حسيب ففتح السائق بابها فأشار حسيب للشيخ أن « شرّف جنابك » فصعد الشيخ وجلس إلى اليمين، وطافت بهما السيارة، وحسيب يدل رفيقه على فنادق المدينة، ثم يقول « ليس من اللائق أن تنزلوا جنابكم في فندق يؤمه أي من الأغراب. إن منزلي على حقارته أفضل لإيواء جنابكم من أي فندق ». وانتهى التجوال فوقفت السيارة أمام منزل ابن الناطور، فإذا هو قصر تحيط به الحدائق وفيه اسطبلات الخيل، والأوتوموبيلات والبحيرات الاصطناعية، وكل مظاهر الثروة والبذخ. وإذا بالجنينة التي تحيط به أوسع من كل أملاك قرية « سحنوف » غير أن الشيخ شيئاً من هذا لم ير. فكل ما يعرف عن الدنيا أنه « شيخ » وأن ابن العامة قد يغتني، وقد يتثقف، وقد يفتتح وقد يظفر، ولكن الله خلقه من العامة، لابن المشايخ تابعاً. إذاً فعيون من تبهر هذه الجنائن والمخازن، والخدم؟ هكذا مرت الحياة على الشيخ عجاج ومضيفه. إذا الشيخ أعوزه المال « استدان » من حسيب، وإذا احتاج ملابس وحاجيات « اشترى » من المخزن.
وفي « مانيلا » نحو مئة من « أبناء العرب » كلهم يجيئون حسيب نبهان ويحتاجونه، ولقد رأوه يحترم الشيخ عجاج بإخلاص وعطف، فأظهروا لعجاج الاحترام، ومشيخوه. غير أنهم فيما بينهم كانوا يتساءلون أن لم يكن في دماغ ذلك « الشيخ » مس من الجنون، حمله
إلى بلاد الغربة عظمة موهومة جوفاء، ولولا احترامهم لحبيب لتساءلوا أيضاً أن لم يكن هذا بأكثر من « الشيخ » جنوناً إذ هو يثبت في دماغ الأبله عجاج الاعتقاد
بتلك العظمة الخيالية.
أما حسيب نبهان فلم يمر به في سنين غربته الطوال أجمل من ضيافة الشيخ

