بقلم : روز غريب
كل بلد يعتمد على السياحة والاصطياف كمورد من موارده الهامة عليه ان يُعنى عناية خاصة بالشؤون الصحية وما يتصل بها ، كتأمين النظافة العامة ، وتدريس الاصول العلمية الحديثة لفن تحضير الاطعمة وادارة المنازل والفنادق وتهيئة وسائل الوقاية والتمريض والتطهير والاسعاف . وليس اجدر من النساء بالقيام بمثل هذه الاعمال .
ان نساءنا يلهجن كثيراً في موضوع التصويت والانتخاب ويطالبن بحقوقهن السياسية فضلاً عن حق الانخراط في الاعمال العامة لكي ينفسح لهن مجال الخدمة الاجتماعية خارج بيوتهن . ويجدر بنا ان نسأل كلاً من هؤلاء المطالبات بحقوقهن : ما هو العمل الذي تحسينه ؟ ما مقدار استعدادك للخدمة الاجتماعية التي تطالبين بها ؟ ما هو عدد نسائنا المتخصصات في علم الاجتماع او في الخدمة الاجتماعية او العلوم المدنية ونحوها من مؤهلات العمل خارج البيوت ؟ بل ما هو عدد النساء اللواتي يتقنّ العمل داخل البيوت ، اعني تدبير المنزل وما يتضمنه من فنون عملية كفن تحضير الاطعمة والحياطة وعلم الصحة وترتيب الاثاث ؟
كل يسلم بأن بلادنا تحتاج الى اختصاصيات يدرّبن نساءنا على شتى الاعمال والفنون التي ذكرتها ، قبل ان نقذف بهن في ميدان الانتخاب والسياسة ، لكن هناك عملاً في متناول جميع النساء لأن في بلادنا عدداً من المؤسسات المجهّزة بالعدد الكاملة لتدريسه ومع هذا لا يزال الاقبال عليه قليلاً بين نسائنا . اعني به فن التمريض الذي ادعوه الفن النسائي الامثل لانه يفتح امام النساء اكبر مجال للخدمة داخل بيوتهن وخارجها . ومن دواعي الاسف ان تكون قلة الاقبال عليه عائدة في الاكثر الى جهلنا لامكاناته ومكانته في العصر الحاضر . وهناك اسباب اخرى اذكر منها احتقارنا للعمل اليدوي ورغبتنا في تحريك الالسن دون الايدي مع ان الثاني افضل من الاول واكثر فائدة . ومنها سوء فهمنا لمتطلبات هذا الفن وواجباته واعتقادنا خطأ انه نوع من التنظيف والتمسيح ، مع ان الدروس التي تُعطى للممرضات تفرض عليهن قبل الاقدام على درسه إنهاء التعليم الثانوي والحصول على شهادته ، لانها على مثال الطب تشمل دروساً نظرية وعملية في العلوم الآتية : التشريح والفيزيولوجيا ،
الكيمياء ، العقاقير ، التغذية ، البكتيريولوجيا ، الباثولوجيا او علم الامراض واعراضها ، التمريض النسائي والتوليد ، السيكولوجيا ، الاسعاف الاولى ، التنظيف والتطهير ، الصحة العامة ، الجراحة ، تمريض ذوي الامراض العقلية ، تمريض الاطفال ... الى ما هنالك . لقد سمّوا الممرضة بحق ساعد الطبيب الايمن وهي فوق ذلك ركن الصحة العامة وليس من بلاد تتباهى بارتفاع مستواها الصحي الا اذا كثر فيها عدد الممرضات وكان اكثر نسائها ذوات المام بفن التمريض .
ليس التمريض من اشرف الاعمال النسائية واشدها نفعاً فحسب لكنه ايضاً من اقدم الاعمال التي زاولتها النساء في التاريخ . تطيل الاخبار والسير في الحديث حول نساء العرب اللواتي رافقن رجالهن في الحروب لخدمة المرضى والعناية بالجرحى . ومنذ القديم عُدّ التمريض او العناية بالجرحى والمرضى عملاً نبيلاً مصدره الرحمة والعطف الانساني ، مارسته النبيلات وفضليات النساء ، لذلك رأينا اميرات العصر الحاضر ـ كارمن سيلفا الرومانية والملكة ماري واميرات ايطاليا وغيرهن ـ ينخرطن في سلك الممرضات لمساعدة جرحى الحرب .
في القرون الوسطى اصبح التمريض من شؤون الراهبات ورهبان الاديرة ، واشتهرت به فيما بعد راهبات المحبة والفرنسيسكان ثم الراهبات الانجيليات Diaconesses في المانيا . لكنه لم ينتظم كمهنة نسائية علمانية الا في القرن التاسع عشر اي في عهد فلورانس نيتنكال الانكليزية التي اشتهرت منذ طفولتها بعطفها على المرضى ورفقها بالحيوان ومؤاساتها للضعيف المتألم . كانت فلورنس من اسرة شريفة وقد نالت من العلم قسطاً وافراً ورغم ان التمريض لم يكن في عهدها مهنة علمانية ولا عملاً جديراً باهتمام المثقفات درسته في المانيا عند راهبات الدياكونيس وعكفت على ممارسته في مدينتها ثم في حرب القرم ونالت من النجاح نصيباً شهر اسمها في اوروبا فمنحتها الملكة فكتوريا ارفع لقب يمنح لنساء انكلترا واهداها الشعب الانكليزي مبلغ ٥٠ الف ليرة انفقتها في بناء مستشفى باسمها . وبواسطة فلورانس نيتنكال ارتفعت قيمة فن التمريض واصبح الناس ينظرون اليه لا كعمل شفقة ورحمة بل كمهنة مرتكزة على العلم والمران الطويل . ومنذ اواخر القرن الماضي بدأ تنظيم هذه المهنة في اوروبا حين تألف في انكلترا مجلس رئيسات التمريض ووضع اساس اتحاد دولي للممرضات . وانتشرت الجمعيات المحلية التي عالجت مشاكل الممرضات وسعت لتنظيم اجورهن وتحديد مدة دروسهن ومواضيع الدرس وساعات عملهن ومسألة تأمينهن الاجتماعي في حالتي المرض والعجز ، وقد اصبح اليوم في اكثر
٨