
هناك نفر من اخواننا في الانسانية لا نرى لهم وجهاً ، مختفون عن الانظار الى النهاية ، هم مخلوقات مثلنا لكنهم اصحاب عاهات ، او اصحاب نقص في كيانهم الجسماني والفزيولوجي .
نسير في الشوارع فنرى بعضنا بعضاً اصحاء ، سليمي البنية ، تتدفق الحياة من مشيتنا ، ونظراتنا ، وابتساماتنا ، واحاديثنا ، ونعمل لكي نحيا ، ونحيا لكي نعمل .. فالحياة تقدر وجودنا ، ونحن نقدر معنى الحياة .
ولكن تلك المخلوقات البشرية التي تقطن مأوى المقعدين من هي ؟ .. وماذا تريد ؟ .. وما هدفها من الحياة ؟ .. انها بقايا من البشرية المحطمة تعيش على الامل ولا امل لها في البقاء .
أرأيت نفسك ذات يوم امام المرايا العجيبة ؟ .. أرأيت كيف يكون التشويه الجسماني ؟ .. اجل ترى نفسك في اشكال عجيبة غريبة فتضحك لكنك ترتعب في الوقت ذاته فتنظر الى نفسك لتطمئن بان ما رأيته من عاهة ان هو الا نوع من خداع النظر .
والان تعال معي الى مأوى المقعدين لنشاهد الكفاح القائم بين الرحمة والالام البشرية .
استقبلتنا رئيسة المأوى الاخت بريجيت وهي مثال الورع والرحمة ، امضت ست عشرة سنة من حياتها وهي تخدم الطبقة المنبوذة من الناس ، فعملت اولاً في مأوى المتسولين ، وبعد ان سلم هذا المأوى الى

مصلحة الكرنتينا انتقلت الى مأوى المقعدين القائم في منطقة الدورة ببيروت ، وهي تعمل فيه بكل ما اوتيت من قوة وثبات مع فريق من الاخوات ، من اجل رفاهية نزلاء المأوى وراحتهم .
وقبل ان نعرض عليكم نماذج من اعمال المأوى وحياته نرجو ان نقدم لكم نبذة موجزة عن تاريخ هذه المؤسسة الاجتماعية .
قالت لي الاخت بريجيت : من الافضل ان نذهب معاً في سيارة الى مستشفى دير الصليب ، الواقع على الجبل بالقرب من انطلياس ، فهناك نقابل الاب يعقوب الكبوشي ، لان مأوى المقعدين هو ثمرة من ثمار اعماله الانسانية الجليلة .
وبعد ثلث ساعة كنا نجلس في حضرة رجل متواضع وقور ، قد ناهز السبعين ، وكانت تجلس الى جانبه رئيسة الدير الام
المحترمة ماري لاكروا . ودار بيننا هذا الحوار:
س : هل مؤسسة المقعدين تابعة لهيأة ما ؟ .
ج : كلا يا ابني .. ان مستشفى دير الصليب ، ومأوى المقعدين ، وميتم دير القمر ، ومأوى دير يسوع الملك ، ومستشفى النقاهة في انطلياس ، ومدرسة جل الديب ، ودار الراحة في سيدة البحر ، هي كلها من مشاريعي الشخصية ، لقد اوجدتها كلها بمساعي الخاصة معتمداً على الله وحده .
س : وكيف امنتم رأس المال ايها الاب المحترم ؟ .
ج : كنت اشرف فيما مضى من الايام على مائة وست وثلاثين مدرسة في لبنان ، وادخرت من تعبي وعرق جبيني مبلغاً من المال فاشتريت هذه الارض التي يقع عليها مستشفى دير الصليب للامراض العقلية ، اشتريتها بمئتين وخمسين ليرة مصرية .
س : ومتى كان ذلك ؟ .
ج : سنة ١٩١٩ .
س : وبعد ؟ .
ج : وبعد بنيت على هذه البقعة من الارض ( إلاية ) اي محبس لراهب ، مؤلفة من غرفتين وكنيسة ، واكتمل البناء سنة ١٩٢٥ .
وفي سنة ١٩٢٦ بدأت بمشروع اقامة
