
وكالإبل الشرود نشأت شمس في الباروك تقفز من صخر الى صخر وتثب من ارزة الى اخرى ترعى الاغنام وغدارتها لا تفارق ساعدها تقتنص الطيور وما تيسر لها من الحيوانات البرية تركب الخيل وتحسن الرماية وتنازل الفرسان السباق وفي بدنها بنية قدّت من صلب الجيل وتكونت تكويناً رائعاً ناسب كل عضو من اعضائها ، ثم تركت الباروك وانتقلت مع ابيها الى قرية قرب الحدود اللبنانية المتاخمة لولاية عكا . وهناك اظهرت من البطولة ألواناً واشكالاً وصدّت الافاكين الآتين من فلسطين وحفظت أمن سكان القرية وسلامتهم فاطلقوا عليها اطراء لبطولتها النادرة لقب خافرة الحدود .
ووصلت اخبار بطولتها الى مجلس سيد قصر بيت الدين فأعجب بجرأتها وصدّق لقبها وارسل لها جواداً من خيرة خيول القصر وبندقية وكمية من الذخيرة ما اذكى روح البطولة المنتفضة في اعماقها . وكانت غزوات ابراهيم باشا المشهورة وحصاره التاريخي لمدينة عكا .
وبعد الغروب كانت شمس كعادتها تتجول على ظهر جوادها حينما شاهدت في الافق البعيد فارساً يجتاز الحدود بسرعة هائلة يتبعه جنديان آخران يطلقان عليه النار ، وعرفت بالجنديين اللاحقين من جنود الجزار واسرعت الى منحنى من الطريق كمنت فيه وفاجأت الجنديين باطلاق النار فبادلاها المثل . وكانت معركة لم تدم الا دقائق انسحب بعدها المهاجمان جريحين يفرّان نحو الحدود وما ابتعدا حتى اسرعت الى الفارس الصريع تظنه مواطناً من مواطنيها فرفعته على
ظهر جواده مغمياً عليه وسارت به الى بيتها تضمد جراحه وحين فتح عينيه وعرف انه في حمى الامير بشير هتف : انا رسول مولاي محمد علي الكبير الى مولانا الامير بشير المعظم . مهدي طريقي اليه في الحال فاجابته وقد اتقدت وجنتاها بنار الحمية والاقدام يا لابي سعدي انا رفيقتك اليه .
وامتطت شمس جوادها وسار الرسول في اثرها دون ان يراودها شك في حقيقة هذا الغريب . وفي الليل الساكن . والفارسان يجتازان الوهاد والهضاب اهتزت حمية البطولة في دم الرسول وهذه الفتاة اللبنانية تتقدمه غير هيّابة ، وبينما هما يجتازان احدى الهضاب على موسيقى وقع حوافر الخيل . التفت الرسول الى شمس وقال اسمي بهاء الدين امي لبنانية وابي مصري واني لفخور باعتزاز وكبرياء بواحدة من مواطنات امي انقذت حياتي وكنت امامها وانا البطل الذي شهدت بي المواقع صغيراً ذليلاً لا ادري كيف اشكر صنعك معي ولا باي لسان افصح عن عجبي وتقديري .
وكانت شمس تجس جوادها صامتة لا تجيب ولكنها في سرها شعرت ان لكلمات هذا الغريب وقعاً طيباً في نفسها وشيئاً خفياً لاعب عواطفها وحسها ، وظلت صامتة حتى صاحت الديوك في مشارق بيت الدين وما اقتربا من القصر حتى ودعت الفارس بهذه الكلمة : الى اللقاء يا لابي سعدي !
وما مرّ على دخول الرسول القصر ومقابلته الامير بشير ساعات معدودات حتى دقّ النفير العام وملأ الفرسان ميدان القصر وساحاته . واسرعت سعدي الى ابيها حين خلا ديوانه تسأله الامر فضمها الامير الى صدره وداعب غدائرها وقال اني يا ابنتي مدعوّ لمساعدة ابراهيم باشا، المحاصرة عساكره عكا ولنصرته على الجزار . ودهشت
سعدي واجابت اباها : أتحجم عن نصرة سيد العالم وقاهر الملوك امبراطور الفرنسيين بونابرت العظيم وتهب دون تردد الى مخالفة هذا القائد الشاب المغامر؟ وعاد الامير يضم سعدي الى صدره ويتأمل انفعال الحادث على محياها ويطيب خاطرها قائلاً : انه الجار يا سعدي وواجب الجوار يقضي بتقديم المعونة الفائقة عندما يلم في هذا الاخير مصيبة والجزار دخيل علينا ناهيك عن الجميل الذي غمرني به والده حينما نزلت مكرماً معززاً وعن صلات الرحم والقربى والمصلحة الواحدة. وهذا الشاب الذي تدعينه مغامراً هو رمز الامة المصرية الفتية المناضلة . سلي التاريخ يخبرك عن علاقات مصر ولبنان منذ عهد الفراعنة وملوكنا الاقدمين فاذا تم لنا تطهير حدودنا من الدخلاء ، تم لنا بناء الخير والسؤدد في هذه البقعة الخيرة من الشرق . وقنعت سعدي بصواب كلام ابيها الامير وقبلت يده وانصرفت راضية .
ونعود لنسير مع شمس في طريق عودتها الى بيتها في القرية القائمة على الحدود، فبعد ان بعدت عن بيت الدين وودعت بهاء الدين ذاك الوداع عادت لتفكر من جديد فيه وهي التي لم تفكر حتى الان الا في حبيبها شاكر الخيام مرافق الامير خليل نجل الامير بشير الاكبر اذا بقلبها ينقسم شطرين ويضم الاثنين معاً على شعور واحد وحارت في كيفية تفسير هذا الشعور الغريب . وتهادى بها الجواد حالمة على هدهدة هذا التفكير العجيب . وكان الليل قد ارخى الجناح عندما شعرت بفارس يعدو وراءها فاستعدت لسلاحها وهتفت مكانك ايها الفارس فسمعت الفارس يجيبها انا شاكر يا شمس أتظلين في تجوالك حتى هذه الساعة اتيت لدقائق معدودة لاودعك ، وقبل ان يبزغ الفجر ساكون في رفقة مولاي الى عكا . اعطني القوة منك لازداد بسالة في الحرب وشجاعة
