في السابع من شهر نيسان لكل عام ، تحتفل شعوب الارض وحكوماتها بيوم الصحة العالمي ، وهو اليوم الذي اقرت فيه الدول الاعضاء دستور هيئة الصحة العالمية ، وهي من المنظمات التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، وقد تم ذلك في جنيف عام ١٩٤٨ .
ودستور المنظمة يتضمن اوسع واكمل تحديد عرفه الجنس البشري ، للمستوى الصحي منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا . اذ ينص على « ان الصحة هي تمتع المرء بكامل قواه العقلية والجسدية وليس انعدام المرض او العاهات وحسب » . وعلى « ان التمتع باحسن مستوى للصحة يمكن الوصول اليه هو حق من الحقوق الاساسية لكل انسان دون تمييز في العرق او الدين او المعتقدات السياسية او الحالة الاقتصادية والاجتماعية » .
وبوحي المبادئ المثبتة في دستورها ، تعتبر المنظمة ان صحة جميع الشعوب اساسية لبلوغ السلم والامن ، ومتوقفة في تحقيقها على تضافر جهود الافراد والحكومات الى اقصى حد ممكن ، وان على الحكومات تقع التبعة في صحة شعوبها ، وهي تبعة لا يمكن الاضطلاع بها الا باعداد الوسائل الصحية والاجتماعية الملائمة ، وان ما تقوم به اية حكومة لتحسين الصحة وحفظها هو ذو قيمة للجميع .
بمثل هذه الاهداف السامية جابه الجنس البشري نفسه في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين ، وبمثلها اتجه نحو دنياه ليخفف عنها شيئاً من اكداس البؤس والالم التي رافقت العاهة والمرض طيلة الاجيال .
ان هذا الاتجاه الحديث ، بل هذه النزعة الفلسفية الشاملة التي ترى في المستوى الصحي المتوفر الشروط حقاً اساسياً لكل انسان ، وشرطاً اولياً للسلم ، وواجباً من واجبات الدولة ، لدليل شعورنا العميق بحاجة ملحة تدعونا للتحرر من مخاوف المرض لان المرض رفيق الجهل والفاقة ، ولانه عدو الرفاهية ، وعدو كل تقدم وارتقاء .
ان تحديد هذا الاتجاه الفكري الجديد على النحو الوارد في دستور المنظمة ، نتيجة عمل جماعي ساهمت في وضعه الدول الاعضاء التي لبت دعوة امانة السر العامة في الامم المتحدة للاشتراك في مؤتمر الصحة العالمي الذي عقد في مدينة نيويورك صيف عام ١٩٤٦ .
وكان بين مندوبي الدول الاعضاء فئات ثلاث ، فئة مثلت الدول الراقية التي اعتنقت هذه المبادئ وسعت الى تطبيقها قبل ان توجد منظمة الامم المتحدة ، وفئة احست بنبل الرسالة التي سبقتها الى تحقيقها البلدان السائرة قدماً في ركب الحضارة ، فاشتركت في مؤتمر الصحة العالمي املاً بحب الاستطلاع واقتباس الطرق التي تساعدها على القيام بمحاولة مماثلة ، لخير شعبها ورفاهية افرادها ، وفئة ثالثة كانت لا تزال حتى تاريخ المؤتمر غريبة عن
هذه النزعة لتأخر قادة الفكر فيها ، عن التيقظ لاهمية المستوى الصحي وعلاقته بالاوضاع الاجتماعية والاقتصادية ، وارتباطه بالسلامة الجماعية والخير العام . وهذه الفئة تقع في التصنيف المصطلح عليه حالياً تحت عنوان البلدان المتأخرة في نشوئها الاجتماعي ، او البلدان المتخلفة عن ركب الحضارة .
وقد لا يرضى اللبناني عن انتسابه لهذه الفئة نظراً لايمانه بامكانياته وطبيعة اقليمه ، واعتداده بالخطوة التقدمية التي اجتازها مجتمعه في النصف الاول من القرن الحالي ، على ان حقيقة الواقع كما تظهرها الاحصاءات وتحددها الارقام ولنا فيها ادق وافصح بيان تنطق بعكس ما يتمناه ، وتحله مع الاسف في المكانة الثالثة من الفئات التي ذكرت .
ولو ادرك اللبناني ان مثل هذا المستوى يساعد الغير للحكم على لبنان الجميل ، لبنان الذي نحبه ونتغنى بامجاده ، انه غير تقدمي وانه لا يصلح بعد بكل معنى الكلمة ان يكون موطناً للانسان وان يتسلم قيادة التقدم الاجتماعي والفكري في الشرق العربي ، وان يكون اهلاً للبقاء بالنظر للمساهمة الجدية الفعالة التي بوسعه ان يؤديها للحضارة الانسانية ، لما اضاع الوقت على نفسه ،