في الطائرة الى القدس
... وترتفع بنا طائرة وكالة الغوث الدولية من مطار خلدة ، فتبعد عنا الارض شيئاً فشيئاً ، وعيني الى تحت ، تكنس البحر واليابسة ، تودّع صورة وتستقبل اخرى بدهشة وذهول ... صدق من سمى هذا العصر عصر الطائرة !! يا لعظمتها ، تعلو القنن وتناطح بياض السحاب بجرأة وثقة !!
واهمس في اذن جارتي الصحفية الانكليزية الانسة ميرتل ونتر : « هذه سفرتي الاولى بالطائرة ! » وتفتح عينيها في وجهي كمن ينظر الى انسان من العصر الحجري !! . وقد كان اختياراً مبهجاً ، اعيشه للمرة الاولى في حياتي ، محلقة مع النسور ، لولا هبوط متواصل واختلاط في توازن الطائرة حدث فوق جبل الشيخ ... سمّوه « جيوباً هوائية » ، اما انا فما ازال كلما ذكرت شعوري آنذاك يبتل جبيني من جديد عرقاً بارداً ، ولسان حالي يقول : اذا كان للجيوب الهوائية مثل هذه الحضة المزعجة فبئست الجيوب من اي نوع ، ولن يكون لثيابي جيوب بعد اليوم !!
واجمل ما لفت نظري من الطائرة سهل البقاع الممتد على المدى الوسيع البعيد . ذكرتني اوضاعه الهندسية المتداخلة الالوان والاشكال بلوحات « الفن المتجرد » التي شاهدتها في معرض الفنانة سلوى روضة ... وانها لومضة عين ، في ساعة وربع الساعة ، واذا بالطائرة تهبط في اتزان وتؤدة ، واذا نحن في مطار القدس ،
خارج المدينة المقدسة . وبعيدي كأس من المرطبات الباردة الى كامل رشدي قبل ان نركب سيارة وكالة الغوث التي كانت في انتظارنا ، لتحملنا الى « موج نعجة » محجتنا الاولى في هذه السفرة ، ابنا تشاد القربة النموذجية الاولى لاسكان اللاجئين .
من القدس الى « موج نعجة »
... ونمر بمدينة القدس ، واصغي بصمت مريب الى رفيقي المهندس الفلسطيني يشرح لي وضعية القدس الحاضرة : « هذه القدس القديمة خلف السور ، وهي ما تزال عربية، وتلك هي المنطقة اليهودية - المنطقة المغتصبة . . . أترين تلك السروة الشاحنة هناك ؟ وراءها تقع بيوتنا واملاكنا ، من ثلاث سنوات لم نعلم من امرها شيئاً ! »
ونمر فجأة ببناء فخم، دكتته القنابل دكاً مربعاً فاغض عيني ، ترى لم يجبن الانسان امام الموت ومشاهد الزوال ؟ واسرح ناظري من بعيد بالقدس الحبيبة التي تحمل في احشائها اقدس الذكريات واغلاها على قلوبنا ... هل اسميها « الفردوس المفقود ؟ ! ... » لا . حاشا لقلبي المشبع بإيمان القومية ، وبامكاننا كأمة حية ان نعيد لهذا الجزء المقدس من وطننا - حاشا لقلبي ان يسلّم ويأس ...
... وتعرّج بنا الدرب وتدور وتدور في هبوط مطّرد . نحن الان في طريق اريحا ولا نلبث ان نصبح في انخفاض ٤٠٠ متر من سطح البحر ! هنا شتاؤهم صيف ، وصيفهم جهنم ... هنا ربيعهم طلّة خضراء لا تزيد على الاسبوعين تؤول
الارض بعدها الى يباس محمل ... والدروب في اول نيسان شعانين لبلكية، صفراء وبيضاء من الازهار الشوكية التي تقاوم قساوة الطقس وتصبر على الجفاف !! والجبال حول أريحا كانت لايام مضت خضراء كلها ، وهي اليوم تودع ربيعها القصير : نصفها الشرقي يابس اصفر والنصف الغربي ما يزال موشّى بالخضرة، كرأس اشتعل فيه الشيب بين ليلة وضحاها ...
في « موج نعجة »
وتقف بنا الدرب أخيراً بعد ساعتين امام مدة فسيحة من الارض المنبسطة ، تقع حوالي خمسين كيلومتراً شمالي أريحا. وقال رفيقي المهندس : هذا « موج نعجة » في انخفاض ٢٧٠ متراً من سطح البحر . وهنا تشيد وكالة الغوث الدولية اول قرية نموذجية لاسكان اللاجئين الفلسطينيين بصورة دائمة ..
وآخذ السهل والسفح بنظرة واحدة السهل خضار ريان ، في اروع ما تكون الخضرة ! سنابل متعالية متغاوية تمايل بعضها على بعض ... سبحان من اشبعها رياً فجادت في العطاء هذه الجودة العجيبة !! هنا التراب خير خصب ، متى جادت السماء جادت الارض . لكن السماء في « موج نعجة » وفي السهول المجاورة ، كثيراً ما تبخل ، حتى وتتمنّع فتعز نقطة الماء ... وهذا ما يخيف اللاجئين . غير ان وكالة الغوث الدولية احتاطت لهذا الامر ، بان حفرت بئرين، وبواسطة مضخات حديثة تمدان المزارعين بما يكفي لحاجتهم ويهدىء من روعهم في سني المحل ...
في « موج نعجة » اليوم ٣٦ خيمة يسكنها ٣٦ عائلة بمعدل خمسة اشخاص في العائلة الواحدة ، وقد أعطيت كل عائلة ٢٥ دونماً من الارض تتصرف بحرتها

