يتم في آخر نيسان ، بناء عشرين بيتاً . اما السرعة في تنفيذ المشروع نهائياً فتتوقف على تقديم المواد بالسرعة المطلوبة فحسب ، اما الايدي العاملة فمتوفرة .
وقفلنا راجعين ، وجهتنا عمّان ، وكان الغسق الجريح يمر بالالوان اللازوردية ، تسلح الظلال والانوار على التلال الحمراء ، .. جنّيات نورانية ترقص باقدامها العارية على وهج الارض ، مسرعة نحو السراب البعيد ...
... في عمان
يخيل لعيني وهي تأخذ عمان بالنظرة الاولى ، اننا في بغداد مصغّرة لولا جبال تطلع من حناياها وقد انتشرت عليها الدارات الحجرية على احدث طراز - دارات جميلة تستبق بعضها البعض على اكتاف الجبال العارية حول عمان ، بسرعة مدهشة ، فتشلح عليها فكرة الرحابة والاتساع ، وتقنع الرأي بان عاصمة الاردن تماشي الزمن باقدام اعتادت على السير !!
وافتح عيني صباح اليوم التالي ، وفي رأس جدول اعمالي زيارة قصر رغدان . اليست غايتي الاولى من هذه السفرة تلبية الدعوة اللطيفة التي وجهتها اليّ صاحبة الجلالة الام ، الملكة مصباح ؟!
لم يكن الاتصال بجناح الملكة الام في قصر رغدان بالامر الهين كما بدا لي لاول وهلة ، ولولا همة الاستاذ محمد البرادعي لما أمنت تلك المقابلة بالسرعة المطلوبة ... وفي دقائق كنت اصغي الى صوت جلالة الملكة مصباح على التلفون :
- ادفيك ، تأتين عمان ولا تكونين ضيفتنا في القصر ، وقد هيأنا لك غرفة .
- لتعذري سيدتي ، فنحن جماعة ، وتقضي اللياقة بان نبقى معاً ، وان امرت جلالتها عينت لي موعداً للتشرف بزيارتها .
- لتكن الساعة الثانية عشرة اليوم
- تتغدى معاً . وسأرسل السيارة مع المرافق الى الفندق في الوقت -
- شكراً « ستي »
اربع ساعات في قصر « رغدان »
... وفي الوقت المحدد وجدتني في صالون الملكة الام ، في جناحها الخاص من قصر رغدان . وكانت عيناي تلتهمان كل شيء ... صالون مسرف في الرحابة تؤثره مقاعد مخملية خضراء ، وتزين جدرانه وجوه ملكية عرفتها للفور ! - هذا الشريف ناصر والد الملكة مصباح وعم جلالة الملك عبدالله ... في الصدر الملك حسين ، عمها . هذه صورة حديثة للملك طلال ، وهؤلاء اصحاب الجلالة : عبدالله ، علي ، فيصل ، غازي ، وفيصل الصغير ... وحديقة القصر تحت شرفة الصالون بدأت تنفتق عن خضرة وازاهير ... وعلى غصن حان وقف بلبل يغني ويهتف ! عجبت له ، يجرأ وحده على الغناء في هذا الجو الصامت الواجم !!
ويقطع مجرى افكاري وقع اقدام
خفيفة وصوت فيه ارادة وفيه عزم ، فأهب على قدمي لملاقاة صاحبة الصوت ، وبابتسامة ودعابة ظريفة ترفعني عن يدها مستفهمة باحثة عن اثر الحرة ! ، ولما تأمن عدم وجودها تحوّل لي خدها فأقبله قبلة بنوية ، ثم تجلس الى جانبي في غير المقعد الملكي الخاص ، تسألني فأجيب ، ويدور بنا الحديث في موضوعات شتى .
... فاضت عيناها بالدمع عندما استرسلت في التحدث عن وحيدها وزوجته ، عن الملك والملكة الحاليين . ذكرت احترام الملك طلال لها وبرّه بها ، فهو لا يفتأ يتفقد راحتها بنفسه طالباً رضاها ودعاءها قبل كل شيء : « ألم يُنه الشرطي عن ايقاف سيارتي ريثما يمر هو ؟ .. هذا خاتم البسنيه بيده قائلاً : « هذا تذكار مني يا أنّا .. » وهذه السجادة هديته ايضاً ، فرشتها الملكة زين بنفسها حفظها الله وعافاها ، هي الآن في رحلة استجمام الى سويسرا اينما سيطير اليها من انكلترا بكرها وولي العهد الامير حسين الموجود حالياً في جامعة « هارو »
( البقية على الصفحة : ٤٠ )

