الشرق مهبط الوحي والالهام ومولد الرسل والانبياء ، منه انبثق نور الحق فاضاء العالم واهتدى بنوره الضالون ، ومنه انتشرت الرسالة الروحية الاولى تبشر العالم بالمحبة والرحمة والرجاء .
يعود العالم المسيحي بالذكرى - في هذه الايام - الى ما قبل الف وتسعمائة واثنين وخمسين سنة ، يذكرون حياة يسوع وموته وقيامته . عاش يسوع على الارض فكانت حياته سلسلة ، حلقاتها المحبة والرحمة والتضحية ، سمع انة الفقير واستغاثة المظلوم وآهة العليل ، ورأى تعاسة الارملة وشقاء اليتيم فرق لبلواهم . شفى المرضى والعميان ، طهر البرص واقام الموتى . كانت الجموع تتبعه وتناديه فيجيب نداءهم ويشفي عليهم . يعلمهم ويرشدهم الى طريق الحق والصلاح .
ومنذ عشرين جيلاً والعالم يعبدون الضعف في شخص يسوع لانهم لا يفهمون القوة الحقيقية . واذا امعنا النظر في حياته واقواله واعماله نرى انه عاش ثائراً على الظلم متمرداً على الانانيين المرائين داعياً الى وضع العدل في نصابه فيقول لهم : « ايها الكتبة والفريسيون المراؤون انتم كالقبور المكلسة » الى ان يقول : « ويل لكم ايها القادة العميان الذين يظنون عن البعوضة ويبلعون الجمل » وكلهم الجموع قائلاً : « ان الكتبة والفريسيين جالسون على كرسي موسى . كل اعمالهم يصنعونها امام الناس فيعرضون عصائبهم ويحبون اول المتكئات وصدور المجالس في المجامع وقد تركوا اثقل ما في الناموس وهو العدل والرحمة والايمان » قال هذا دون ان يخاف مضطهديه او يخشى اعداءه ، بل كان جريئاً على الظلم جباراً في وجه الاستبداد .
كانت رسالته المحبة والحق والرجاء . والموعظة على الجبل اكبر شاهد على سمو رسالته التي علمها تلاميذه وارادهم ان يحملها نوراً الى العالم ، وكثيراً ما نتساءل : لماذا جاء يسوع الى العالم ؟ جاء يسوع الى العالم ليعلم الناس الحق والرحمة والمحبة ، وليجعل الحياة قائمة على هذا المثلث السماوي . جاء ليقدس الانسان فتصبح نفسه هيكلاً وقلبه مذبحاً . جاء ليبث في العالم روحاً جديدة ليدك العروش القائمة على الظلم ، ويبدم القصور المبنية على اجساد الفقراء ، جاء ليبني اسس السلام الحقيقي في العالم العائش على الحرب ويمحو الانانية والطمع والجشع ، فلا يكون
على الارض ظالم ومظلوم ، غابن ومغبون ، متنعم وبائس ، بل اخوة تسوسهم المحبة وتسودهم المساواة . هذه هي التعاليم التي صلب يسوع لاجلها مختاراً . وفي العشاء الرباني الاخير قال لتلاميذه « واحد منكم سيسلمني » ولما اضطربوا قال لهم : « لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب انتم تؤمنون بالآب فآمنوا بي ، سلامي اترك لكم سلامي اعطيكم . انا هو الحق والقيامة والحياة » .
يقف المسيحيون يوم الجمعة التي يسمونها جهلاً « الجمعة الحزينة » خاشعين قارعين صدورهم مصلين ، تتجه انظارهم الى الصليب فيرون شبحاً مكللاً بالشوك ، كفاه مسمرتان على خشبة الصليب ، مغمض العينين ناظراً من وراء حجاب الموت الى اعماق الحياة .
وقف الجند حوله يسخرون منه والكهنة يجدفون عليه مستهزئين ، ثم يسمع صوته قائلاً : « يا ابتاه اغفر لهم لانهم لا يدرون ما يفعلون ! »
تظلم الشمس وتزلزل الارض وينشق حجاب الهيكل ! مات يسوع !! وعند طلوع الفجر في صباح الاحد تذهب المريمات الى القبر فيرين الحجر مدحرجاً والقبر فارغاً ورجلاً بلباس ابيض جالساً فقال لهن : « قام يسوع » قام الجبار الذي قهر الموت وتغلب على الاجيال بالروح والحق ، واملأ الارض بمجده وجلاله . وفي مثل هذا اليوم منذ عشرين قرناً تقرع اجراس الكنائس طول الليل فتردد صداها الجبال والاودية مبشرة بانتصار الحياة على الموت .. يخرج الناس بملابس العيد يهنيء بعضهم بعضاً بقولهم « المسيح قام ، حقاً قام » وكم من مرة سألت نفسي هل هذه تقاليد موروثة واقوال نرددها باحكام المألوف ام نؤمن بحقيقة ما نقول ونقوم بتأدية الرسالة التي سلمنا اياها يسوع ، رسالة الحق والمحبة والرجاء ، امانة في اعناقنا ؟ ..
في حي متواضع حقير من احياء روما ، وفي شارع مهجور تقوم بناية - هي كنيسة قديمة العهد حقيرة ، والداخل اليها يجد نفسه محاطاً بظلمة خفيفة وبصمت رهيب ، لا يزورها السائحون كما يزورون كنائس القديسين بطرس وبولس وكلمنت ، حيث يرون آيات الفن والعظمة ويدهشون بما ابدعه عقل الانسان ، فهذه كنيسة قديمة مهجورة عارية من كل فن ، اكل الدهر عليها وشرب ، لكنها ملأى بذكرى الجهاد والاستشهاد ، وترى قطعة

