هي صديقة صدوق عرفتها اول ما عرفتها على مقاعد المعهد ، وعلقتها وهي دون الثالثة عشرة ، ورحت ادرسها عن كثب فاذا هي هادئة في غير تطرف ووديعة إلا حيال الباطل وصريحة الى اقصى حدود الصراحة ، وذكية ولكن ذكاءها ليس فيه توثب البرق الخلّب بل هو القوة الغلابة التي يشعر المرء بتأثيرها على مشاعره شيئاً فشيئاً حتى اذا اوشكت ان تسيطر عليه أقر مذعناً باعجابه بها .
واذا هي تتمسك بمبادئ لا عهد للفتيات بها ، منها تقديسها للكمال ، ومنها عبادتها للجمال - عبادة مطلقة - ومنها تفانيها في سبيل غاية لا تدري تماماً ما هي - وانما تدري انها مندفعة نحوها لأنها نبيلة - وانما تحلم بها ليلاً نهاراً وتنشدها بكل قوى نفسها الزاخرة بالفتوة العامرة بالايمان ..
واذا هي بعض الاحايين ملء الحياة حيوية ونشاطاً كأنما هي البشر الطافر ، واذا هي في بعضها مستكينة الى الصمت والتفكير كأنما هي اليأس القاتل ، وفي احايين أخر هائمة في دنيا الخيال ترقص على اغاني المنى وتترنح على ترانيم الأمل وتغفو نشوى على اهازيج العاطفة .
واذا بالشباب الفيساني يسير اليها سمحاً وقد افترت شفتاه المغمورتين عن بسمة مغناج ..
ولكنها هي تقف منه موقف المربي القاسي من تلميذه المتمرد .. فلا تزال به حتى تسلس قياده ، وتكبح جماحه وتمشي غير عابثة نحو السراب المشع ، وقد بح صراخ اللاحقين دون ان تلقي اليهم وعيها او تعوّج بهم في حال ..
وتمر السنون سراعاً ، وتمر بها التجارب عاتية ، وتعترضها الكوارث متشفية ، وتذوق الامرين ، الظلم ، ثم الظلمة .
فاذا بالاول يخلق منها المتمردة الثائرة إلا على الحق الصراح .. واذا بالثانية تغشي ناظريها ؛ ولكنها تواصل جهادها في نطاقها المحدود حتى اذا بلغت النهاية او كادت عجزت عن مواصلة السير وتساقطت اعياء وقد بلغ منها اليأس كل مبلغ .
وانها لكذلك - وانها لترسل آراءها في الحياة والناس صاخبة
ظالمة - وانها لتندب استجارة الصبا وبراءة الطفولة ورواء الماضي وانها لتستعد للمناضلة حتى النفس الاخير في غير رفق .. وفي غير طائل .. اذا بصوت وديع فيه رقة وفيه حنان يهمس في مسامعها انشودة طريفة هي مزيج من نفحات الامل وروعة الفن ورواء الاخلاص ، واذا بأصابع مخملية تمر على جبينها المحرور ، فاذا بالدنيا دنيا اخرى لا عهد لها بها - واذا بالألم مهذب قدير يبلو المرء ليجلو نفسيته ، واذا بالجسم الضارع وقد عادت اليه معالم الحياة وألق الصبا ، واذا بالحياة قبلة عفة في فم شاعر مدله .
وهكذا احبته .. ولكن ليس كما يحب الناس ، احبته لأنه اول من ادرك كيف يجب ان تُحب ، واحبته لأنها لم تعرفه إلا في سطور هي السحر الحلال الابدي التأثير ، واحبته لأنه لم يحبها وفي قلبه زيغ ، وفي نفسه غاية ، فجعلها النفسي هو كل شيء اعجب فيه واستهواه وملك عليه شعوره ، واحبته لأن لا امل من وراء هذا الحب ولا شبه امل ، فهو مسلم وهي مسيحية وهو موثوق بعهد قدسي ، وهي متمسكة اولاً بالدين ، وثانياً بالواجب . واحبته لأنه الصوت الحنون ولأنها الصدى ولأنه الوردة المعطار ولأنها الندى ، واحبته قبل كل هذا لأنها اعجبت بالعقل المفكر كما اعجب بالشعور المرهف والوفاء البكر .
وراحت تعب من ينبوعه الرقراق ولا ترتوي حتى اذا اطلقت من ثغرها اول هديل اوحى اليها به الحب العذري واسمعتني اياه فخوراً قلت لها معترضة هازئة ..
- أوَ تظنين ان الحياة غناء وهديل وحسب !
- بل هي متفجرة ابداً من هذا الغناء الفياض .
— اخطأت ياصديقتي فما كانت الحياة يوماً لتقوم على الاحلام الوردية والهديل الشجي والسراب الخادع والالهام الرائع .. ما كانت الحياة يوماً ولن تكون إلا هذا التنازع الدائم بين افرادها في سبيل ضغط كيانهم ، إلا هذا الصراع الأبدي القائم على اساس المادة .
— المادة ؟ يا لها كلمة ثقيلة جوفاء وهمية ، ليست المادة إلا سبباً يا صديقتي وما هي غاية . هي السرور ، هي السعادة هي هذا الهدوء الذي يشعر به المرء لدى استقرار ضميره ، وشعوره هي .. سمها ما شئت من مثل عليا فلن نعدي في تسميتها حقيقة الحال ، واما الواسطة او السبب فهو هذا التكالب مثلاً الذي يسيطر اليوم على البشر من قاصي المعمور الى دانيه سيطرة فيها فناؤه روحياً ومعنوياً ، ذلك لان اهليه جهلوا الغاية الحقيقية فراحوا في ضلالهم يعمهون .

