عرفتُ سلوى روضة قبل أن تقصد باريس، حين كانت تنظر إلى الطبيعة حولها فتنقلها حيناً بالخطوط وحيناً بالألوان، نقلاً يدل على رشاقة في اليد وقوة في الملاحظة، وأحاسيس في عميق. ورأيت خلال ذلك موهبتها تتطور بالدرس وبالمران الذاتي ولحت في عينيها وعوداً وآمالاً. حتى عادت من باريس بعد غياب سنوات فإذا بها تتخطى في قفزة واحدة حدود الكلاسيكية والانطباعية لتتصرف بكل قواها إلى هذا النوع الجديد المغرق في جِـدّته، لأنها رأت نفسها مدفوعة إليه بدافع لا يُرَدّ.
لم تكن الوثبة مستغربة. فقد هيأتها لها طبيعة عنيفة ولوعة بالابتكار مائلة إلى إهمال القواعد والقيود وإلى شق طريق شخصي، أفي الفن كان ذلك أم في الحياة ذاتها. وصادف الفن التجريدي هوى في نفسها فهو انعتاق من الطبيعة ومن التدقيق والتقليد. هو ردّ فعل على الكلاسيكية المنضبطة وعودة إلى الفن الفطري التلقائي، إلى حرية الوحي والإلهام المفاجيء. وإنك إذا لاحظت تنسيق المعرض رأيته يشير إلى هذا الانعتاق التدريجي الذي يبدأ برسوم مختصرة تشبه الطبيعة بعض الشبه وتنمّ بالإشارة وبالإيحاء عن الجو والموضوع. وينتهي بالفن الطليق الذي يقصر الرسم على الخطوط الهندسية تتخللها الألوان المتآلفة أو المتضادة أو المتنافرة.
هذه الفلسفة الفنية الحديثة لا تقتصر على التصوير بل تتناول غيره من الفنون الجميلة. هي التي تقول أن الفن تعبير عن حالة في نفس الفنان ونقل شعور داخلي لا يتقيد بالخارج ولا بالواقع. لا تُنكر هذه المدرسة الحديثة التحديد الكلاسيكي للفن: «هو تصوير الطبيعة من خلال مزاج» لكنها تلحّ في القول أن لكل فنان مزاجه وذاتيته التي لا يجوز أن يُغرقها التقليد وعلى هذا يجب على الفنان أن يلحّ في إبراز شعوره وأن يكون أميناً في تصوير ما يُحسه، أواضحاً كان أم غامضاً، هادئاً جامداً أم مشوشاً مضطرباً.
وقد رأت سلوى روضة في نفسها إحساساً قوياً باللون والخط واستهواها التعبير بلوحات تؤلفها بين الخطوط والألوان من غير أن تعين موضوعاتها أو تحدّد دلالاتها. لكنها تخلق في صاحبتها ارتياحاً وفي نفس المعاينين فهماً شعورياً وائتلافاً روحياً من غير أن يفهم الموضوع بالطريقة المتواضع عليها. وعلى هذا كانت
أسماء بعض اللوحات ألفاظاً لا تعني شيئاً لأنها تترك لمشاهدها حرية مطلقة في التفسير.
مرت ببالي هذه الخواطر حين زرت المعرض. ولا أودّ من إثباتها أن أحشر نفسي في زمرة نقّاد الرسم، لا سيما الرسم التجريدي. لكنني لا أتمالك أن أقول ختاماً أن معرض سلوى روضة كان غريباً في باريس وأشد غرابة في بيروت وقد دلت محاولتها على جرأة غريبة في بابها.
نحن في بلاد لم يتوصل أهلها بعد إلى تقدير الجمال في الطبيعة حولهم فنراهم يمضون في تشويهه بشتى الوسائل، في المدينة وفي القرية، في الساحل وفي الجبل. فكيف يريدون منا أن نقدّر الفن، لا سيما حين يُمعن في الإغراب حتى يترك من يعاينه في حيرة أو يُرغّمه على التأمل والتفكير؟
رغم هذا، أراني مضطرة إلى الرجوع عن قولي السابق، لأذكر أننا في بلاد تجمع المتناقضات: الحديث المتطرف والقديم الذي يعود إلى القرون الوسطى أو إلى عهود الفطرة. تجمع المثقفين الذين يدينون بآراء نيتشه وسارتر وبرغسن، والجهلة الذين يعيشون في الطور البدائي، وذوي العقول المتحجرة الذين يسوقون الشعب إلى مهاوي الضلال والبلاهة والرجعية العمياء.


