

قصة هيلن كيلر هي قصة طفلة أبعدت فجأة عن العالم في سن مبكرة جداً ، يوم كان لها من العمر تسعة عشر شهراً . انها قصة كفاحها الشاق البطيء المنتصر في العودة الى ذلك العالم الذي حرمته . ان تلك العمياء ، البكماء والصماء الصغيرة قد أصبحت مع الأيام ، الكاتبة الموهوبة الخارقة الذكاء التي لم تفتر عن العمل والكتابة والكفاح في سبيل تحسين وضع الآخرين ومساعدتهم . وباختصار ، ان قصتها هي قصة حيوان شبه أليف اصبح مع الزمن مواطناً حساساً ذا ذكاء خارق ، خَلَق لنفسه مكاناً مرموقاً في تاريخنا الحاضر .
ولدت هيلن كيلر طفلة طبيعية ، في توسكامبيا من مقاطعة الألاباما ، في ٢٧ حزيران سنة ١٨٨٠ . حُرمت نعمة النظر والسمع بصورة مفاجئة ، نتيجة مرض عضال شخصه الاطباء بالحمى الدماغية . وقد كان متوقعاً ان يترك المرض ضحيته مخبولة ، حسب نظرية الطب الشائعة آنذاك ، لكن صاحبتنا ، ذات البنية القوية ، خرجت منه معافاة ، لتدخل في طفولة همجية غير منظمة ، مع ادراك جزئي لما يجري حولها .
كان ذلك عندما بلغت هيلن السابعة ان جيء بمدرّستها الآنسة آن سليفان ، من معهد بركنز ،
في بوسطن ، في العشرين من عمرها ، نصح بمجيئها السيد الكسندر غراهام بل ( Bell ) بدافع العطف ، فاخذ والدا الطفلة بنصيحته ، وجاءت الآنسة سليفان لترافق هيلن كظلّها حتى عام ١٩٣٦ حين توفيت . لقد حملت آن سليفان مسؤولية تطلبت صبراً لا ينفد وشجاعة لا تكل . حملت آن لتلميذتها الصغيرة دمية من طالبات معهد بركنز ، استعانت بها على تدريبها محاولة ربط الاشياء بالحروف عن طريق التهجئة في كف الصغيرة بواسطة أحرف اليد التي تصوّر بالاشارة . هنا تعلمت هيلن الحروف بسرعة مدهشة ، لكنها لم تدر انها كانت تهجّي كلمة ، او ان شيئاً اسمه كلام ، موجود في هذا العالم . وهكذا ازداد عدد ما تعلمت تهجّته من كلمات بتلك الطريقة الغامضة ..
... ومرّت الأيام .. وزاد تلهّف هيلن للمعرفة والاكتشاف والاختبار ...
ففي ذات صباح وقفت ومدرّستها في الهواء الطلق بجانب مضخة ماء ، واذ باحدهم يستخدم المضخة ليسحب المياه من البئر .. أخذت الآنسة سليفان يد هيلن ووضعتها تحت الحنفية فارتاحت هذه لشعورها ببرودة الماء وابقت يدها فيه ، بينما بدأت تهجّي باليد الأخرى اسم هذا السائل المنعش ، أولاً ببطء ، ثم بسرعة ، واذ بها تتفهّم معنى لما صورته يدها ، اذ عرفت ان كلمة « ماء »
تعني ذلك السائل البارد الذي يجري فوق يدها !! . آنذاك انحنت بسرعة ولمست التراب وسألت مدرّستها ان تعلمها حروف اسمه ، ولم يرخ الليل سدوله عشية ذاك النهار حتى كانت هيلن قد تعلمت ثلاثين كلمة ، وكانت هذه هي الخطوة الأولى نحو ثقافة هيلن وسعة اطلاعها . لقد أتقنت حروف الهجاء بسرعة فائقة بشكليها اليدوي والنافر اللذين يستعملها العميان ، مما سهّل عليها القراءة والكتابة . وفي عام ١٨٩٠ ادهشت مدرّستها حين طلبت اليها ان تتعلم النطق بعد ان اكتشفت بطريقة ما ،
ان فتاة صماء وعمياء في بلاد النرويج النائية تمكنت من ان تتعلم الكلام . فكانت الآنسة سارة فُور من مدرسة هوراس للرجال ، اول من اخذ على نفسه تلك المسؤولية .
رددت هيلن كثيراً في طفولتها تلك العبارة التي ادهشت العديد : « سيأتي يوم ادخل فيه الكلية » ، وقد فعلت . ففي عام ١٨٩٦ دخلت هلن مدرسة كامبريدج للانسات لتعد نفسها لكلية رادكليف التي انتمت اليها خريف عام ١٩٠٠ . وفي سنة ١٩٠٤ كانت تحمل شهادة بكالوريوس علوم . وكانت الآنسة سليفان الرفيقة الدائمة التي تترجم لها ، بواسطة اشارات الكف ، جميع المحاضرات التي وجب حضورها ، وكانت تشجعها دوماً وتثير طموحها بان زرعت في نفسها عظم ثقتها بنجاحها ومقدرتها .
