هذه مقالات خاطفة ، قد تطول وقد تقصر ، فيها اعرض منتخبات لبعض من اديبات هذه الديار ، واسرد نتفاً عن حياتهن وادبهن . وهمّي ان أشير منذ البداية بان التعرض لأديبات اميركا «الكبيرات» ، ولهن فقط ، ليس هدف هذه السلسلة : انما الغاية تعريف قارئات «صوت المرأة» على وجوه واقلام ارى لزاماً ان يعرفنها ( وفخراً لي بان اكون القارب الذي يحملها من لغة الى لغة ومن تراث الى تراث ) - سواء أكانت هذه الوجوه والاقلام مخضرمة او كانت بعد يانعة . وان قيل : لِمَ هذه الاديبة دون تلك ، وتلك القطعة دون هذه ، هززت كتفي ، ولم اذكر أي قياس أقيس الادب به ، وخرجت عن الصمت بكلمة : انه الذوق ، والذوق وحده ، يا سيدتي !
في اليوم الأول لوصولي الى كامبريدج ، وجدت في مختلف قاعات هارفرد اعلانات كبيرة عن افتتاح الموسم الحالي للقراءات الشعرية التي تقيمها مؤسسة موريس ثري ، بحفلة تقرأ فيها أدريين رتش ( Adrienne Rich ) منتخبات من قصائدها . فحرّك الاسم في ذاكرتي صدى طرياً ، اذ تذكرت قصيدة لها قرأتها في بيروت في مجلة «الشعر» ( وهي مجلة انشئت في شيكاغو في ١٩١٢ وبنشأتها تؤرخ النهضة الشعرية المعاصرة ، وكثر ما كان مجرّد النشر بها سلّماً يرتقيه الشاعر الى المجد ) . وكانت من اول من أتعرف عليهن من ادباء اميركا - بعد القصاص جورج ر . ستيوارت ، الذي ترافقت واياه عشرين يوماً ، من اليونان الى نيويورك ، كتب خلالها قصة للاحداث واعطاني دليلاً ان التواضع قد يقرن الى الموهبة دون ان يقلل منها ! ، وبعد الشاعر جون تشاردي ، الذي قد نشر ، وهو بعد في منتصف العقد الثالث ، أربعة دواوين وله تحت الطبع ترجمة جبارة لدانتي ، والناقد مارك شورر ، الذي ستضاف قريباً الى مؤلفاته دراسة عن د . ه . لورنس .
لأدريين رتش من العمر اثنان وعشرون ربيعاً . وليس استعمالي «ربيعاً» بدل «سنة» لمجرّد التفذلك : فقصائدها إن لم
تحتو بعد على اختبارات الصيف وحكمة الخريف ومرائي الشتاء ، فيها مرح الربيع وانطلاقه وشذاه وتغريده . وفي اسلوبها عذوبة الربيع ، فقلما ترى في شعرها الالتواء الذي يكاد يكون احد ميزات الشعر الحديث ، بل تراها تكتب القصيدة وكأنها تداعب زهرة - برفق وايجاز ومتعة ، وبشيء من التقديس . ولدت في بالتيمور بولاية ماريلاند ، وتلقت دراستها الجامعية في رادكليف ( ورادكليف كلية للفتيات يسكنّ فيها لكنهن يتلقين دروسهن في هارفرد المقتصرة ، إسمياً ، على الرجال ! ) ، حيث نالت شهادتها «بتفوّق عظيم» في الصيف الفائت ، ومُنحت جائزة كارلون ي . ولي ، كما مُنحت مفتاحاً «في بيتا كابا» ، أسمى ما يطمع اليه في الولايات المتحدة الجامعيون قبل التخرج .
هوايتها للشعر تعود الى سنوات الحداثة ، فهي ايضاً لثغت قصائدها ! وتجمّع لها ، قبل العشرين ، عدد من المقطوعات ، انتقت منها اربعين قدمتها الى جامعة ييل ، التي تدير مسابقة سنوية لشعراء البلاد ممن هم دون الاربعين ، فتتهافت عليها المجموعات من كافة انحاء البلاد الشاسعة ، وتعهد الى شاعر كبير ليكون الحكم فينتقي منها واحدة فقط كل عام تطبع وتنشر على نفقة الجامعة . ونظرة الى القائمة باسماء الشعراء الذين نالوا هذه الجائزة في السنوات الماضية ما بين الحرب الاولى والوقت الحاضر ترينا ان عدداً منهم برز فيما بعد واحتل مقامه في التراث . وكانت جائزة ييل لعام ١٩٥١ من نصيب أدريين رتش . ونشرت قصائدها الاربعون في كتاب انيق بعنوان «تغيير عالم» وقد وضع الشاعر و . ه . أودن ( الذي لا يختلف النقاد على انه خليفة ت . س . إليوت وثانيه في مضمار الشعر الانكليزي والاميركي المعاصر ) مقدمة للمجموعة في خمس صفحات - وكان هو الحكم الذي انتقى الكتاب الفائز . وفي مقدمته هذه امتدح


