كان جون ، بحكم العادة والتقاليد ، اقل افراد عائلته فهماً للموسيقى ، مع انه أمضى السنين الطوال في دراسته ولكن ليتفهم ان مكان الرجل في عمله ، فأدى به ذلك الى مركب النقص الذي حرمه نعمة النجاح في حقل الموسيقى . وكم كانت خبيثة تزيد كلما اكتشف معلموه ميله الجديد للموسيقى المسلية .
وكان تطور جون ، او الوالد ، بطيئاً ، ولكنه وصل الى نقطة تحول تخوله ان يشترك بكل حرية في ابداء الرأي حول الموسيقى ، واحياناً في العزف ايضاً . وكانت هذه الخطوة نتيجة لقمعه السخرية من نفسه وايمانه ان القلائل فقط قادرون على التجديد ووضع القوانين الحديثة في اي نوع من انواع الثقافة ، وخصوصاً العالمي منها كالموسيقى .
وهكذا بدأ الوالد يستعيد ثقته بنفسه وحماسه الصادق للشيء الذي طالما احبه سراً . مع انه كان يظن انه سلمه . واليوم لن يخذل حتى ولو حاربته زوجته واولاده المتفوقون .
بدأت ثقافة الوالد الموسيقية عن طريق الاسطوانات والراديو . وكثيراً ما تجاوب في نفسه تأثير الموسيقى العامة ذات التوقيع الموسيقي والاغاني الخفيفة . فاكتشف ان كل واقعة يومية يمكن ان تستعرض في آثار الماضي الكلاسيكية ، وبخفة جعل نفسه متجرياً موسيقياً . وما يزال يسخر من نفسه كلما تذكر
الساعات التي صرفها بين القطع الموسيقية الكبيرة ، وهكذا خسرت كلمة كلاسيك وكل ما هو كلاسيكي ، هيبتها من نفسيته . فوجد نفسه يستمع ليس لتشيكوفسكي فقط ، بل لغيره من الموسيقيين العالميين كجريج وشوبان وشوبرت وراخمينوف وسترافينسكي وشوستاكوفيش ، فوجد في موسيقاهم شيئاً من الحداثة .
وفي يوم وجد الوالد نفسه يناقش بحماس في احدى الاجتماعات في النادي ، وبعد ان استمع الى الآراء المختلفة تتضارب حول واغنر وبرامز ، دخل في النقاش مادحاً توسكانيني .
ولاكتشاف موهبة الوالد في صوته
قصة طويلة . فهو لا يحجم عن الاشتراك في غناء المارشات العسكرية والاغاني الشعبية ، وقد يستطيع ان ينفرد بالغناء ، ولكن تحت دوش الماء في الحمام فقط ، ولم يرَ في صوته عيباً ما ، خصوصاً عندما تتغلب عليه بقية الاصوات .
ولطالما كان الغناء في الحمام اضحوكة العائلة ، فقد قالت الام مرة بأنه لو أخذ الوالد هو والمغطس الى مسرح ما ، يستطيع بكل جدارة ان يقيم حفلة لكل افراد البلدة !! . ومن الاشياء التي الهمته ان يثق بصوته صدى صوته الاصطناعي ووحدته .
وبمجيء الاطفال تحول الوالد تدريجياً



