« وما عساي ان اجني هذا العام » ، يقول الطالب . « أيكون جناي قمحاً صرفاً ممتلىء الحبات ، أم قمحاً مصوصاً مريضاً ؟... ويا لخيبة الامل اذا طلع حصادي كله زؤاناً !!
وترتجف مفاصله بعضاً وهو يلقي النظرة الاولى على نتائج حصاده ... نجاح بشرف ، نجاح مرور ، أم لعل اسمه في اسفل القائمة ... انه الفشل الذريع ، يا لضياع المسعى !!
هل حقاً سعى هذا الطالب الفاشل الذي لا تلبث نتائجه ان تُعلن ، حتى يقوم البيت ويقعد ، وتصيبه ثورة هستيريا : انه المعلم المغرض ، انها المعلمة التي تتحامل عليه منذ ... ، انها المدرسة الخالية من النظام ... فاللوم ينهال جزافاً على كل رأس ، عدا رأس التلميذ نفسه ، والمسؤولية تستقر على كل كتفين الا كتفي التلميذ الراسب ... وما ذنب التلميذ اذا كان المعلمون مغرضين ، واذا كانت المدارس في فوضى ما بعدها فوضى ؟!
هل هذا الوضع المنحرف سوى صورة مصغرة للفوضى الفكرية التي نعانيها ؟ هل هو غير صفحة من صفحات حياتنا التي نعيشها كل يوم ؟
متى ينجح الانسان منا في حياته ومتى يفشل ؟ الا يحصل ذلك دائماً - بعرفنا - نتيجة لمساندة هذا ، او لمقاومة ذاك وعداوته ؟! وكيف نقابل عادة بين فشلنا ونجاح سوانا ؟ الا ينخر رؤوسنا سوس الشك البغيض ، فنعمد الى موازين الغيرة الصفراء ، نزن فيها مقدرات الناس ، فتزوّر ابصارنا عن الرؤية الصحيحة وتسوّد ضمائرنا عن تمييز الحق ، ولو في وضح النهار ؟؟...
لماذا نجعل من قلوبنا براكين ثائرة يستعر فيها الحقد والحسد ، ونصوّب حقدنا وحسدنا الى الناجحين من الناس ، سموماً نفاثة ، هدفنا الوحيد اصابتهم والحط من كرامتهم ؟
ترى ، لماذا لا يكون نجاح الناس حافزاً لنا الى العمل والارتقاء ؟ لماذا لا نكون ايجابيين بنّائين نصعد السلم مع الصاعدين ، بدلاً من ان نكون سلبيين ، ونحاول ، بحقارة وصغار ، دكّ عروشهم وتهديم قصورهم ، لنبرّد بذلك غُلّتنا وحقدنا ؟.
لنتحرر بعد اليوم من قيود النفس الصغيرة الجبانة ، ولنقف من انفسنا موقف الوازن المتجرّد العادل فكل جان انما يجني ما زرع ، وكل ناجح انما يلقى نتيجة نصبه واجتهاده . فهذا التلميذ فاز بشرف لانه سعى وكدّ ، وذاك رسب وفشل ، لانه تهاون وتكاسل ... وذلك الانسان مرموق المكانة لانه نشيط ساهر على مصلحته .

