الأبطال ولما اتعبوا مسامع الحياة بذكرهم وذكرى أعمالهم الخالدة .
قال الناي : مساكين هم هؤلاء البشر فكلما تعمقوا بدرس المعرفة رانت على قلوبهم وعقولهم وابصارهم أنامل الجهل فردتهم يخبطون على غير وعي ولا هدى ، فلا هم تلك المعرفة يدركون ، ولا هم إلى ما كانوا عليه يهتدون الرجوع .
قال الشبح : إن في أقوالك هذراً يا هذا وإلا فكيف يرفع الضيم ؛ وأنى يظهر رقي الإنسان وعظمته المستحيرة .
أجاب الناي : جميل أيها الشبح أن يدافع المرء عن حقوقه ويذود عن حياضه ، وأجمل من هذا إلا يصبر على أنياب الظلم تنهش جسمه ونفسه ، وأجمل من هذا وذاك إلا يقبل بأن تداس كرامته ، ولكن أن يكون هذا المرء أثراً إلى حد يريد أن يبتلع فيه العالم بعد أن يحطمه ليسيطر عليه فهذا ولا ريب رجوع بالإنسان إلى عهد وحشيته ، وتهديم ماحٍ للمدنية التي ظل سنين عديدة ، أو على الأصح قروناً متوالية يدأب على بنائها بشتى الطرق المضنية ومختلف الأساليب .
وقاطعه الشبح بصرخة اهتز لها الفضاء الساكن ، ومن تكون أنت يا هذا ، لتلقي على مسامع الدهر أرائك العوجاء مثل هذا التحدي ومثل هذه الحكمة العرجاء ؟!
فقال الناي وقد رقت لهجته حتى غدت لهاثاً متزناً ؛ يحق لك ألا تعرفني يا سيدي لأن المواد الحديدية لا يمكنها أن تشعر بملامسة النسيم الرخي لها .
إنني أيها الشبح زفرة من زفرات الحياة الصاخبة تمخضت بها قوى الخير جميعاً فكانت هذا النغم الأبدي الرنين ، لقد خلقت قبل أن تخلق أنت ، ولكني كنت فكرة تتعهدني العقول الناضجة
والأفئدة الحساسة ، تغمرني الأولى بالنور، وترجي إليّ الثانية النبل والجمال، وما أن اختمرتُ - أو كدت - حتى برزتُ إلى هذا الوجود قوية نشيطة ، قدسية الأنفاس ، متزنة الميول ، أتطلع إلى العالم جميعه بعين رؤوم وقلب يملؤه الحنين إليه ، لا وطن لي ولا أهل ، لأني أدين بالقومية العالمية ، أدين بالوحدة الإنسانية التي لا تقبل التجزؤ مطلقاً ، فتحتَ لوائي العريض يلتقي الشرقي بالغربي ، واليهودي بالبوذي ، والقروي بالمدني ، وعلى حدود قانوني الواسع
السمح يتفاهم أبنائي ويحب بعضهم بعضا من غير أن يحتاجو إلى منظمة أمم ، ودون أن تسعى بين يديهم معاهدات أو مفاوضات ... ثم يسيرون على ضوء من المعرفة سحري فيه جمال وفتنة وفيه عظمة وروعة .
أنا لست القوة أيها الشبح ، ولكني الدافع بقوى الأرض جميعاً في طريق الخير والكمال إلى المثل العليا ..
أنا الصوت الذي سيتغلب أخيراً على الأصوات كلها ليحل الوئام ويعم السلام ، وتخط الحياة لنفسها طريقاً جديدة لا

