ما هو الفن ؟ ما هو الجمال ؟ ما هي اللوحة الفنية وكيف نقدرها ؟ هل هنالك فرق بين فنان وهاو للفن ؟ .
- أحب ان اسأل هذه الاسئلة الى الذين يعارضون الاتجاهات الحديثة في الفن والى الذين يقفون حيارى تجاه لوحة فنية حديثة لا يعرفون ما يقدرون بها وجعلهم هذا يجمد اللوحة في نظرهم ويخلق ذلك الطلاق بين الجمهور المتذوق وذلك الفنان الخلاق .
- الروح او روح العصر لا تظهر جلية ، الا عندما تتحقق الانسانية الحقيقية بها وذلك لا يتم الا بالاتحاد الوثيق بالايمان والفنون والعلوم في عصر من العصور - وهذا الاتحاد قد ظهر جلياً في مدنيات سابقة كمصر الفرعونية وسوريا الكلدانية في الصين وفي عصر النهضة في اوروبا - فمن وقف امام انتاج فني لمدينة من هذه المدنيات يمكنه ان يحكم على فلسفتها ودينها والعلوم التي كانت سائدة عندها - لان الفن منذ كان الانسان هو ذلك المظهر لهذا الاتحاد الوثيق الذي بدوره يعبر عن الانسانية جمعاء في مختلف الحضارات .
- وليس هنالك تفاوت بالتقدير بين فن فرعوني او فن كلداني ، بين فن بيزنطي او فن اغريقي ، بين فن سود افريقيا او حمر اميركا - طالما كل فن من هذه الفنون قد عبر احسن تعبير عن شعور واهداف جماعة هو جزء منها - طالما كان ذلك الفن نتيجة ذلك الاتحاد المتين لايمان وعلوم وفلسفة تلك الامة .
وهل اختلفت فكرة الجمال في مختلف الحضارات وهل اختلفت طريقة التعبير عنها ايضاً ؟ - طبعاً - اذ ان كل حضارة كانت تهدف الى شيء معين مع سير حياتها اليومية المملة - وهذا الهدف كان يحبه الفنان دون ان يعرفه - فكان انتاجه يأتي كنسخة مفسرة لتلك الحضارة بكاملها .
- مثلاً :
عندما كان الفنان الاغريقي في بحثه عن الجمال يفتش عن التناظر والتقسيم المتساوي او المتناسب ضمن قوانين وقياسات معروفة ، ليجعل فن التمثيل الحي تجميداً لحركة معينة في وقت محدود ثم لكي يضع نظاماً لهذه الحركة الثابتة ، اعتمد كل الاعتماد على الطبيعة لتساعده فاصبحت مصدر وحيه فلم يعد يفكر بغير نقلها نقلاً مخلصاً ... والامثلة عليها كثيرة ، اخص
منها فينوس ميلو Venus de Milo وابولون فيدياس Appolon Phidias .
كان جار هذا الاغريقي الفنان البيزنطي في اوج رسالته الروحية يفتش عن جمال روحي ، وذلك ليس بالانسجام ولا بالتناظر ولا بالتقسيم المتساوي او المتناسب ولا بنقل الطبيعة نقلاً مخلصاً والاعتماد عليها كل الاعتماد كما كان يفعل الاغريقي ، بل راح يخلق اشخاصاً غريبة التركيب والنسب - غير مألوفة في الحياة العادية - كلها من خلقه وابتكاره ليظهر بواسطها ذلك الجمال الروحي ، فهذه النسب الخارقة كانت تأتي بكائنات كأنها من صنع السحرة .
فالفنان البيزنطي كان يعبر تماماً عن شعور امة سلطتها الالهية المصدر Théocratique كثيرة الايمان لا تقبل الجدل في معتقداتها - لان انتاجه يفسر ذلك - فالايقونات والمؤلفات البيزنطية تشابهت حتى صارت كأنها تكراراً دائماً - وعندنا في كنائس الروم الارثوذكس القديمة امثلة كثيرة عليها - فهي لا تعبر عن الاختلافات الفردية والاراء الشخصية بل تعبر عن اقتناع المؤمن الاكيد في دولة كثر فيها المؤمنون .
وايضاً عندما كان الفنانون في عصر النهضة مولعين بالمواضيع الدينية او التاريخية والتعبير عنها بالوان قاتمة غير صريحة وحبهم للابعاد واظهارها بواسطة النور والظل ودرس الحركة درساً انتومياً اي تشريحياً عميقاً لاظهار الاحجام واضحة كأنها سابحة في الفضاء البعيد .
عمد الانطباعيون في القرن التاسع عشر الى جمال مختلف تمام الاختلاف - لقد احبوا نور الشمس وانعكاسه على الاشياء واظهار الوان قوس القزح الاولية الصريحة ، لذا اهملوا المواضيع التاريخية ليطلعوا الى الطبيعة ويستوحوا منها مواضيعهم الفرحة المتحركة تحت نور الشمس . لقد اهملوا الاشكال واحجامها والبعيد والقريب ليدرسوا اللون وتغيراته في الجو الرطب الذي له امكانية كسر أشعة الشمس البيضاء .
ايضاً لما كان الفنانون في القرن الثامن عشر يرون الجمال في تحويل الفن الكلاسيكي الى فن رومانطيقي تكثر فيه الانفعالات السطحية من عواطف وحركات لها اول ما لها آخر - مثل لوحات Watteau & Fraganard فان كان المشهد يمثل حبيباً مع حبيبته ، فيميل هو نحوها ورأسها ينحني ليميل اليه والشجر من فوقهما تمد اغصانها لتحنو وتميل عليهما ، والريح تساعد لتميل فستان الفتاة وحطة الفتى ، وحتى النهر الجاري كان يحول مجراه من اجلهما - الخ من تكرار في الحركة كلها لتقول نفس الشيء -
وهل كان القرن الثامن عشر من حيث النشاط الفكري