كأنما شيء قد غيّر فيها وبدّل، فلم تعد لها تلك الروعة التي كانت منذ ايام قليلة، حين بكرت الى النبع، فملأت جرّتها كالعادة، ثم جاءها فوّاز، وراحا يطوفان تلك الناحية، حتى اذا بلغا الشعب الذي يتعرّج صوب التلة المقابلة، حيث ينبطح كرم التفاح، ويتربع عزّال الناطور، قالت وهي تعب النسيم:
ـ ما اروع هذا الصباح، يا فواز!... فكأنما السماء في عيد، وكأنما الارض تستفيق لفرحة العيد!...
فقال فوّاز في بعض ابتسام وفي بعض عبوس:
ـ ذلك لأن قلبك قد استفاق يا نهلة، واستبشر بقدوم عيد!...
ـ أوَ ليس على الانسان ان يستبشر في مطلع كل يوم جديد!؟...
ـ بلى!... وايم الحق!... ولكن ذوي الاحساس المرهف، وأولي الشعور الدقيق، يتعذبون في هذه الدنيا في مثل هذه الاحايين، فلا يجدون روعة في صباح، ولا يجدون روعة في مساء، بل تساوى عندهم الايام نهاراتها ولياليها، إلا من فرحة خاطفة، لا تدوم حيناً قصيراً حتى تزيد قلوبهم عذاباً فوق عذاب!...
فأجابت، وهي تستوقفه، متعلقة بذراعه، متطلعة اليه:
ـ فيمَ تقول هذا، يا فوّاز، وعهدي بك جبلة مرح ورجاء وطموح!؟... فوّاز!... كن مثل هذه الطيور خفّاق الجناحين!... كن مثل هذه الزهور فواح العبير!... كن...
غير أنه قاطعها قائلاً:
ـ ما اكثر ما تمنيت ان اكون
طيراً، فانطلق الى ما وراء هذه الربى
والتلال، فاعيش حراً، في ارض غير
ارض وفي سماء غير سماء!... وما اكثر
ما تمنيت ان اكون زهرة نابتة في برية،
فلا اذكر ماضياً، ولا احلم بغد، بل اجد
العمر لحظة عابرة لا تقصر ولا تطول!...
وما اكثر ما تمنيت ان اكون حصة،
او حبة رمل، او ذرة من تراب... فمن
يدري، لعلي لا احسّ عيشاً آنذاك،
ولا اشعر بوجود، ولا...
(يتبع)
