ما نضج الصيف مرة ، الا ونضجت معه آفة اجتماعية كبرى كلما استعرضتها في بالي وحققت في اسبابها ونتائجها ، بدت لي فادحة الخطورة - اعني آفة القمار .
ما ادري لِمَ تهتاج نفسي في موسم الصيف ناقمة ثائرة على القمار وعلى المقامرين . لعل لهذا السر ذكريات عميقة في نفسي تنطوي على جراحات موجعة ، تعود وتتجدد مع كل صيف ، على مرور الاعوام ، فأشهر سلاحي واعلن على هذه الآفة حرباً شعواء .
رب معترض يقول : لا حاجة لهذه الثورة القاسية ما دامت الحكومة نفسها قد وضعت حداً لهذه الآفة ، بان منعت الميسر في فنادق الجبل ، فلم يعد للطاولة الخضراء زهوها ، ولم يعد للدولاب السحري بهجته ورونقه !! ان وضعنا اليوم خير منه بالامس ، يوم كانت الدواليب الرقاصة ، المتعة المفضلة في الجبل ، ويوم كانت نقطة الارتكاز في كل فندق كبير وصغير ، قاعة القمار ... تتوسطها طاولة خضراء والناس حولها ، عيونهم مسمرة على دولاب سحري يدور ويغشى ، ولا يستقر حتى يعاود دورانه من جديد .
اجل ، ان تلك المشاهد لم تعد اليوم تظهر بذلك العراء النائي الفاضح الذي كان لها بالامس ، غير ان هناك اوكاراً للمدمنين ، مبثوثة هنا وهناك تحتمي بسلطة هذا او ذاك ، يرتادها اهلوها في انتظام بصورة شبه سرية ، يندسون بين جدرانها النتنة ، ويقتلون ايامهم ولياليهم ...
لن احاول الآن التعرض للسلطة التي تحمي هذه الاوكار السرية ، ولا يهمني كذلك امر هذه الفئة من الناس التي لا تجد سبيلاً لبناء اقتصادياتها الا عن طريق المقامرة ... لا ، ليست هذه الفئة ولا تلك موضوع اهتمامي اليوم ، وانما الذي يهمني عن حق هو ما اصاب مجتمعنا من فساد ادى الى هذا الواقع الاليم في حياتنا الاجتماعية ...
قد يكون هذا الواقع اقسى ما في حياتنا الاجتماعية من
مصائب ، واخطرها على المجموعة اللبنانية ، تصيبها في عافيتها ، وتهدد ما فيها من مناعة قومية ، لا تلبث معها ان تنهار انهياراً كلياً ...
اجل سيكون مدار حديثي هذا المجتمع البائس الذي وقع فريسة لداء القمار ، فأحدد وضعه بالذات واتناول بالتفصيل موقف المرأة اللبنانية من هذه المتعة الشيطانية المفسدة .
يحلل السيكولوجيون القمار بأنه « Outlet » او هرب من الفراغ في الحياة ... هذا الفراغ يجر المقامر الى الطاولة الخضراء فيضرب ضربته الاولى ، التي لا تلبث ان تصبح عادة وخيمة ، تأسره وتشد بخناقه ، فتخور عنده الارادة حتى تنعدم ويصير عبداً ذليلاً يلتمس الربح الهين وما اقل ما ينطاع الحظ له ، وما اكثر ما يقاومه ويسلبه ماله وشرفه وجميع القيم النبيلة في الانسان فيشرس طبعه ، وتسوء صحته من السهر وارتياد النوادي الليلية وبالتالي يتضائل نشاطه وحبه للعمل ويتملكه الكسل والخمول .
واكثر من يدفع الثمن غالياً العائلة نفسها ، ولا شيء كالميسر من شأنه ان يهدد كيان العائلة ويهتك حرمتها ، ويسلبها سعادتها وهناءها .
ولو اقتصرت اخطار القمار على الرجل وحده لهان الامر ، ولعمدت المرأة الى معالجة الموقف ، ورد الامور الى نصابها ، لما لديها من حكمة وروية ودراية ، ولكن المصيبة تعدت الرجل - ويا للاسف - واصبح للمرأة فيها قدم وساق .. ذلك ان فريقاً من نسائنا ، انحرف عن طريق امهاته وجداته المستقيمة واختار له طريقاً أخرى سماها « عصرية » تكتنفها الجبانة والخنوع ... فشر ما في القمار - وهو شركه - هذه الظاهرة التي نشهدها تجتاح المرأة نفسها ، كموجة من نار وكبريت ، فالمرض الخطير الذي يهدد المجموعة اللبنانية تسربت جراثيمه الى الجسم النسائي بصورة مؤسفة تدعو الى الخجل ... وان هذه الظاهرة تعنينا ، نحن نساء هذا البلد ، لانها تتصل اتصالاً مباشراً
