أمسك «أبو سلمان» بذنب دابته «الغبراء» وصاح «على مهلك يا عروس» ثم نفض الثلج عن فروته وزفر زفرة تجمّد بخارها أمام عينيه في تلك الليلة الباردة القارسة وتنهد «الحمد لله، وصلنا». ولقد يحسب من يسمعه أن أبا سلمان هذا أصبح على عتبة منزله حيث ينتظره حمام حار وفراش وثير. غير أن الأمر لم يكن كذلك فالدنيا ظلام وثلج وبرد وأرياح. وصاحبنا في أول الليل على قمة جبل الباروك. بينه وبين أقرب منزل مسير ساعات شاقة على ثلج وجليد، وليس له من رفيق إلا دابته الغبراء، وبارودة موزر في جوفها كلمات خرساء خمس، فصيحة ولكن في الموقعة.
أما أبو سلمان فلم يشعر بالوحدة، فها هو على القمة، قد اجتاز سفح جبل «الباروك» صعداً من ناحية «البقاع» وهذه «عين اللجة» تجمدت مياهها إلى بينه، وها هو بدأ ينحدر نحو قرية «الباروك» وها هو أرز «الأبهل» يتأبد بعمائم من ثلج، وهذه «بلاد الشوف» قد انبسطت تحت عيني أبي سلمان ملتحفة بظلام، وأبو سلمان ابن «الشوف» بل هو شيخ قافلة «بعقلين» أميرة «الشوف» ولقد تكون «عين اللجة» في شتاء ذلك العام - ١٩١٧ - مربط الشذاذ، ومسرح قطاع الطرق، غير أنها تشرف على «الشوف» - لذلك تنهد أبو سلمان وربط بارودته على جلال حمارته وصاح جذلاً «الحمد لله، وصلنا». وراح ينزل الجبل في طريقه إلى «بعقلين».
ومن ذا الذي يلوم ذلك الشيخ إن كان جذلاً. فالحرب العظمى التي أجاعت بني لبنان، استثنت أبا سلمان، وعياله،
وقومه، وها هو قد ترك «بعقلين» في قافلة عددها ثلاثون مسلحاً - تركوا ضياع الشوف خالية الكوارث هزيلة. وهم يرجعون الآن من «حوران» محملة دوابهم حنطة، وأبو سلمان شيخ القافلة، إذا فشلت بتهريب الغلال فهو الملوم، وإذا وقعت بين فتيان القافلة فتنة فهو القاضي، وإذا هلك منها شخص فعليه المسؤولية. وها هم بعون الله راجعون إلى الشوف سالمين، إلا أحدهم شاهين قاسم أبو علي، فقد رقدت رصاصة في أعلى ذراعه، ما عليه شرّ بإذن الله. الحق على شاهين. لماذا لم يستمع إلى عمه أبي سلمان في الموقعة؟!
وذكر أبو سلمان الموقعة فشعّت عيناه «قلت للملعون لا تقوس وأنت واقف، أركع وقوس. يا سبحان الله ما أحمق فتيان هذه الأيام، متى سمعوا أزيز الرصاص جنّوا. ماذا أقول لأم شاهين عن جرح ولدها؟ الله يحقك يا شاهين. ما عليه شر بإذن الله». وراح أبو سلمان يصرخ: يا غبراء، على مهلك يا عروس.
وكان أبو سلمان يتحدث بهذه الكلمات مع نفسه بصوت مرتفع، فمن ألف العزلة اكتشف في نفسه أحسن رفيق.
وأبو سلمان الليلة تهزّه نشوة الظفر، فراح يجرّ أفراحه الماضية، فها هي أربعون سنة من عمره قد غابت فهو يرى نفسه على طرّ شاربه يهاجر لبنان مع أبيه ليرتزق في حوران. يغزو «ممدوح باشا» بالجيوش التركية جبل حوران فيشترك فتانا في معاركها، ويشهد فيها مصرع أبيه وتنشب بين دروز حوران و«عشيرة دحام» فتنة فيخوض فتانا معامعها.
ويرجع إلى لبنانه يحرث ويزرع. ثم يدخل صف الأجاويد - العقّال من الدروز - فيتعمم ويحلّق رأسه. إلى أن تنزل الكارثة الكبرى في الحرب العالمية، وتحبس الغلال عن لبنان فيجوع أهله. ويقف الجيش التركي بأسلحته بين حوران الجبلي بالغلال ولبنان الجائع. فيدير أبو سلمان عينيه فيمن حوله ويهز رأسه ويتهدد. ثم يحدث بني قومه «إن الله عظيم قدير، سبحانه، سبحانه. لقد كفرنا بأنعامه فأنزل بنا الجوع والأمراض. هذه خلواتنا تقفر من العباد. وهؤلاء فتيان هذه الأيام همهم شرب «العرق» والمحاكمة. في حوران غلال وعندنا أسلحة وبغال، ولكن أين الرجال تخترق صفوف الجنود أين؟. وسمع فتيان هذه الأيام بأحاديث أبي سلمان وهم يحترمونه ويحبونه. ولقد يتهمهم بالكسل والسكر فيسكتون. وينهاهم عن الكفر والتدخين فيحتملون. أما أن يتهمهم بالجبن - هذا كثير - فجاء منهم وفد يقول: ماذا على أبي سلمان، وهو موقن بأن في الشوف أسلحة وبغالاً، ماذا عليه لو ترأس قافلة تحاول السير إلى «حوران» والرجوع منها بالغلال، وليختبر أن كان في الشوف رجال.
وتألفت القافلة وسارت، وسار ذكرها في الناس، وأصبحت مواقعها تاريخاً، بل أصبحت «قافلة بعقلين» من شهرة البأس بحيث تجنبتها عصابات البدو، والجنود، بعد أن كانت سلسلة معارك، آمنة كأنها نزهة مدرسية.
أما هذه المرة فلم تكن السفرة نزهة مدرسية، إذ أن ضابط المخفر في «تل أبو شجرة» واسمه «شريف أفندي» وهو جندي ذو بأس، كبر عليه أن يستقيم لقافلة أكارين، فنزل «دمشق» واستعان برئيسه، فعززه هذا بمدفع وخمسين جندياً مجرباً، ففاجأوا القافلة في «تل أبي شجرة». وذكر أبو سلمان

