من زوايا المكاتب أشتري كتبي. وانفخ الغبار عن المؤلفات التي اعرض عنها الناس وفي طبعي اعراض حيث يقبلون واقبال حيث يعرضون. انفر من الدعاوة لشيء وابتعد عن الادباء العبقريين والكتاب المبدعين والشعراء الملهمين وشيوخ النقد وأئمة البيان والتحفة الادبية وقنبلة الموسم الى ما هنالك من عبارات واوصاف ونعوت لمعظم الكتب الصادرة في هذه الايام، واعترف انني ما قرأت كتاباً من هذه الكتب المصدرة واجهات المكاتب الزاهية بتنضيدها وطبعها الا وجدته شروحاً مملة يبدأها صاحبها ثم يندم فيحاول الافلات من الموضوع بأية طريقة كانت ناهيك عن التكلف والتصنع وخلوها من فكرة جديدة وبحث دقيق لها صلة وثيقة بالعقل والحس ضمن دائرة النفس سواء اكان الكتاب شعراً ام قصة ام نقداً.
والاغرب في النقد انك ترى الناقد مثلاً وهو يدعي مشيخة الادب يشهر فيمن حلت عليه نقمته ويحلل اوصاف شكل جسده وطباعه. اما أدبه ونوعيته فلا يأتي على ذكرهما بشيء. ومن رضي عنه يكون العكس بالعكس اطراء وتقدير عبقرية. ومصيبة الادب عندنا سيطرة المادة على معظم ادبائنا فيما ينتجون ويؤلفون، ومن لا مال لديه يموت انتاجه القيم وان توفق لاصداره فستكون زاوية المكاتب مقامه. حتى الادب عندنا وزناه بموازيننا الخاطئة وقسمناه الى نوعين نوع الادباء المتمولين ونوع الادباء الفقراء.
ومن هذه الزاوية التي ترقد فيها انتاج الادباء الفقراء اطل عليك الساعة ايها القارىء بمذكرات جريح للاستاذ بولس سلامة.
ومذكرات جريح طبعة صدرت من نفقة صاحبها على ورق هزيل وثمنه لا يتجاوز ١٥٠ قرشاً. وهي قصة اديب جريح كتب فصولها حتى الساعة بنفسه. وهل اعظم منها قصة عندما يخبرك الانسان عن نفسه بمراحل ايمانها وكفرها وحبها ورجائها وشتى وجوهها جاعلاً منها مختبراً يطل منه على العالم بالجيد من تجارب الحياة التي قاسى مرارتها وتحمل اعباءها وحده. قصة ادبية يشرح فيها للناس تغلغل الالم في جسمه وجولة الاطباء السندبادية تفتيشاً عنه منذ ١٥ سنة حتى الساعة. وعن
المصائب التي انته حسب تعبير شكسبير جماعات كالجيوش لا فرادى كالطلائع وعن مباضع الجراحين في الجروح التي غدت كهوفاً في جسمه.
سمر على سريره بلا حراك. ذبلت زهرة شبابه في المستشفيات وسالت على حد المباضع مهجته. ويروي قصته بشيء من الدعابة بين الحين والحين ويقدم لك «الانتراكت» ملبشاً بالمرح والنكات كي لا تمل الاصغاء الى مأساة الالم. ومن هذه المصائب التي قاساها وما زال يقاسيها جسمه تطل علينا نفس مبدعة وعقل نير. لا

