كان ليوناردو دافنشي الانيق يسير في احد طرقات فلورنس وعلى وجهه ابتسامة عذبة ، وكان يجلس على مقعد في الجانب الآخر من الطريق قوم يتناقشون في دانتي ، فلما لمح احدهم ليوناردو قال :
« ايها الاخوان ها هو الرجل الذي يستطيع ان يضع حداً لجدالنا » .
وفي تلك الدقيقة نفسها ، ظهر في عرض الطريق شاب تدل هيئته على انه رجل نائم على الانسانية وعلى العالم اجمع . فلما وقعت عينا ليوناردو عليه قال : « ها هو ميكائيل انجلو ايها الاصدقاء ومن الافضل ان تطلبوا اليه هو ان يشرح لكم دانتي » .
ولكن انجلو لم يعرهم اهتماماً بل واصل سيره قائلاً : « لماذا لا تشرحها انت يا ليوناردو ! وكان ذلك دليلاً على قلة احتفاله بالناس وشد انطوائه على نفسه .. كانت انجلو في ذلك العهد فتى في بدء شهرته ، وكان ليوناردو يكبره بثلاث وعشرين سنة كما كان متفوقاً عليه بخبرته وشهرته ، فهو من الفنانين الاول في ذلك العهد ، وما كان انجلو ليدرك آنذاك انه سيفوق زميله مجداً ويبرزه في المستقبل القريب عظمة وشهرة . وكان والده محافظاً لمدينة كيريس وله اربعة اخوة ليس بينهم اخوات ، وقد توفيت امه وهو في سن السادسة . وكان والده فقيراً رغم انه من الاشراف ، وكثيراً ما بقي بدون عمل ، وهو صارم مع اولاده ، ولشد ما كان يثور ويغضب عندما يعلن ابنه انجلو في اصرار رغبته في ان يصبح فنانا ، ويجيبه بان آل بيوناروتي لم يخلقوا لمثل هذه المهن وانما خلقوا ليكونوا مدراء مصارف ورجال اعمال . وكان الخلاف بينه وبين ابيه ينتهي باهانته وضربه احيانا ، غير ان ذلك لم يكن ليلين من عوده او ليوهن من عزيمته ، حتى اضطر ابوه ان يأخذه بيده وهو في الثالثة عشرة من عمره الى الفنان جرلانداجو كي يدرس الفن على يديه . ولما تركه عنده قال : « اني اتبرأ من هذا الولد » .
وكان هذا الفنان المحترف يدهن وقتئذ جدران كنيسة سانتا ماريا الجديدة ، فكان انجلو ان يمزج الالوان وينسخ بعض النماذج ، وسرعان ما ظهر ان النماذج جاءت احسن من الاصل ، مما اثار حسد المعلم من تلميذه فقرر التخلص منه ، وكان ذلك من حسن حظ انجلو اذ ارسله الفنان جرلانداجو الى باتريو العجوز الذي كان يعلم الصغار فن النقش ، فتعرف انجلو بواسطته بعالم العلم والفن والموسيقى والشعر والجمال والنباهة : تعرف على الاشياء التي كانت تتوق اليها نفسه الفنانة الطموح .
وقد تعرف في هذه الاثناء بلورنزو داميدشي المشهور ، فأعجب هذا بنباهته وسرعة خاطره ، ودعاه الى قصر المديتشي حيث سمح له بالجلوس الى مائدته واللعب مع اولاده . وفي هذا القصر عرف انجلو الجمال والحكمة اذ تعرف فيه بكثير من الفلاسفة والعلماء والفنانين الذين كانوا يؤمونه من مختلف انحاء العالم ، وفي هذا القصر ايضاً انتج انجلو اول رسومه . ولما توفي لورنزو العظيم ، كانت الاحوال السياسية مضطربة في المدينة ، فغادرها الى بولوجنا وبدأ عمله هناك باقامة تمثال للكنيسة ولكنه لم يحرز نجاحاً في هذه البلدة ، فعاد الى فلورنس مسقط رأسه ، ثم غادرها الى روما ليبني مستقبله في العاصمة الايطاليه ، وكان قد مضى على تأسيس مدينة الفاتيكان احدى وعشرون عاماً .
وصل انجلو الى روما عام ١٤٩٦ فألفاها مدينة الموسيقى والجرائم والثقافة والمال والرقص والاعياد والشعر والرسم الخ ... وكان الفن فريداً فيها فقال : « ليس لي اصحاب ولكنني لست بحاجة اليهم ولن يكون لي اصحاب في المستقبل » وكان انجلو حينذاك في سن الثالثة والعشرين ، فقدم طلباً لصنع تمثال السيد المسيح والعذراء لكنيسة القديس بطرس وكان مما قاله في طلبه : « ان التماثيل التي سأصنعها ستكون من الجمال والروعة بحيث لا يستطيع فنان آخر ان يصنع اجمل منها » وقد نجح في المباراة ، وصنع تمثال المسيح والعذراء الذي يعد اليوم من افخم تماثيل العالم . وقد ترك نجاحه هذا صدى بعيداً فبلغت شهرته البابا الجديد « يوليوس الثاني » الذي كان محباً للشهرة ويريد تخليد ذكراه في التاريخ ببناء قبر له لم يشهد العالم مثله من قبل ، فاستدعى ميكائيل انجلو وسأله : « كم سيكلف بناء هذا القبر ؟ فلما اعطاه الفنان الرقم الذي تخيله وهو ضخم جداً قال البابا : ليكن ضعف ما ذكرت » .
واتفقا على ذلك .
ولكن حساد انجلو من الفنانين ما لبثوا ان ادخلوا في روع البابا ان من


