حتى ١٨٧٨ اذ وجد بينهم من يملك الجرأة لتبديد تلك الظلال واعلان الاسرار التي كانت تخفيها.
كان توماسو دي كافاليري شاباً رومانياً مهذباً نذر نفسه للفن ويؤكد الذين كتبوا عنه انه كان ذا جمال منقطع النظير، وقد اجتمع بالفنان العظيم لاول مرة في عام ١٥٣٢ وتوطدت صداقتهما حتى بلغت في خلال سنتين ذروتها واوحت الى انجلو احسن اشعاره وخطاباته.
ويبدو ان دي كافاليري قد قدر كثيراً محبة الفنان العجوز له، فقد بقي مخلصاً له حتى ساعاته الاخيرة التي حضرها بنفسه، ولم يقتصر اهتمامه بالرجل العجوز وعنايته به على حياته فقط، بل استمرا بعد وفاته ايضاً اذ عكف على تنفيذ وصيته بمثل اللهفة والحرارة اللتين كان ينفذ بها رغباته حينما كان على قيد الحياة.
وتوماسو دي كافاليري هو الذي اقنع فناننا بانجاز النموذج الخشبي الذي صنعه لقبة كنيسة القديس بطرس، وهو الذي حافظ على رسوم بناء الكابيتول من بعده، فقدر لها ان يسير اسماهما دائماً جنباً الى جنب، حتى وان لم يكن جمال الفتى قد اوحى الى الشيخ حقاً بعض اناشيده وقصائده.
لقد كانت هذه الصداقة الرومانتيكية المصدر الاساسي لبعض التحف الفنية التي تعد من اهم ما انتجه انجلو.. وقد قال «فاساري» احد المؤرخين الايطاليين، ان الفنان قد اغدق على الشاب الجميل هدايا ثمينة كثيرة، ومن هذه الهدايا رسوم ذات جمال باهر وروعة نادرة لا مثيل لها.
ولم يكن ميكائيل انجلو، في الوقت نفسه جامداً او بارداً نحو الجنس اللطيف فان صلته الروحية بالحسناء العريقة
النسب، فيتوريا كولونا، وان كانت صلة افلاطونية، قد اشتهرت شهرة واسعة. كان عمر هذه المرأة ٤٦ عاماً، وكان عمر انجلو ٦٣ عاماً، حينما توثقت عرى الصداقة بينهما، وكانا يقضيان اكثر اوقاتها في الحديث عن الشعر والفلسفة، ولعلها المرأة الجميلة الوحيدة التي اظهرت اكثر من الاعجاب والتقدير لانجلو.
وكانت فيتوريا زوجة المركيز دي بسكارا، وكان هذا يعاملها معاملة سيئة رغم محبتها له، ولم تكن صداقتها مقتصرة على انجلو بل تعدته الى عدد من كبار الفنانين والادباء في ذلك العصر. وتعد الرسائل والاشعار التي تبودلت بين فيتوريا وانجلو من اثمن وارفع الادب الايطالي.
ويقول المؤرخون انه مرت في حياة انجلو ساعات دقيقة ولكن ادقها هي التي توفي فيها ثلاثة اعزاء.
اولاً – ولد في الخامسة عشرة من عمره كانت تبدو عليه سيماء النجابة وكان يرجى له مستقبل عظيم في عالم الفن وقد احبه انجلو كما يحب الوالد ولده.
ثانياً – وفاة عم هذا الولد وكان مستشاراً مالياً لانجلو...
ثالثاً – وفاة فيتوريا كولونا... ولعلها من اشد الصدمات التي عجلت في موته. لقد وقف انجلو امام جثمانها يتأمله وهو الذي لم يضمه في حياته قط ولم يحاول ذلك، ثم التقط يدها الباردة وقبلها. وقد ذكر لاحد اصحابه المقربين فيما بعد «لم يجزني شيء في حياتي اكثر من حزني على عدم جرأتي على تقبيل شفتيها حتى بعد وفاتها».
مات انجلو في التاسعة والثمانين من عمره وكان حتى الاسبوع الاخير من حياته منهمكاً بالرسم والنحت.. ولما
شعر بدنو اجله قال وهو على فراش الموت: «انني غير متحسر على دنو اجلي ولكنني متحسر على انني اموت في الوقت الذي بدأت اتفهم فيه مبادئ الفن واثباً الى عملي الحقيقي.»
