هؤلاء المتعجرفون الذين ينظرون الى الشمس ويقولون « هذه الاشعة المسكينة لا تساوي شيئاً » جدير بهم ان يبدد وهمهم خيط او شعاع منها . ولكن ... لندعهم وشأنهم فطرفهم يرتد خاسئاً حسيراً ازاء قبس من النور ... وهذا الضياء الذي يفصل خضاب الليل جدير ان يُدخل في روع المرء ادق الاحاسيس واسمى الانفعالات ...
ومهما تكن حياتنا ، سوداء قاتمة كأنها قدت من حلك الغلس . ومهما تكن مدلهمة كأنها قطعة من الليل تجثم على النفوس ، ففي حنايا الضلوع قلب نحمله .. فهو النبراس الهادي اذا عزّت الصوى وغامت معالم الطريق .
انني الآن غريب في غربتي اشعر بوحدة ، وحدة مقرورة باردة .. وأحسس انقباضاً مبعثه السأم . ومرده الضجر ... وفي نفسي تعتمل ازمة حادة . ازمة الصبر المرير ... انها اسطورة « طنطال » اسطورة من لا يرتوي ولا يمكن ان يدركه الشبع والارتواء ، وبنفسي ظمأ وجوع ، وبقلبي حنين ولوعة ، فلا اود ان الوذ بمستودع اللفظ ، فأنا اوثر ان اترك لنفسي العنان واريش لها الجناح لتحلق في اجوائها حيث تطيب الذكريات وتحيا الآمال ، وتطفأ الحرقة ، وينبت لكل خاطرة جناح . ولكل فكرة ايد تقبض ، وارجل تسعى ، وعيون تبصر .
نحن ذاهبون غداً ، خارجون من هذه الحيرة ، مفارقون هذا الشك ، فلن
تشدّ إسارنا ظلمة مهما طالت ... نحن ذاهبون الى قمة الجبل نستعجله طلائع الصباح ... البيوت القرميدية المتطاحنة امامنا . والسهول الممرعة تمتد تحت اقدامنا لقد كستها الخضرة رواءً جميلاً ...
والديكة اخذت في الصباح تزف تباشير الصباح وتحمل معها الحياة .. ان نفسي الراقدة الهاجعة لتشارك الناس والطبيعة ... وعلى جفني آثار ارق مزمن انني انتظر وارتقب ... ولكن لا يلفني الصمت الذي يسبق العاصفة ، ولم تبلغ نفسي هذا القدر من التحفز ... ولكني اشعر اني بحاجة الى شيء يعيد اليّ املاً ويدعوني الى الراحة ..
انني بحاجة الى ضياء ... ضياء يغمر وجهي المتعب المكدود فتنعش روحي وتسمو نفسي ويعاودني اليقين بان الظلمة اضعف سطوة من النور . وان الوجود لا يمكن للعدم ان يضارعه .
انني اجوب عوالم الفكر وارهف السمع لألتقط حديثه وامامي تمتد السهول الخضراء .. إن الخضرة ترتعش لها الانفس انها ابنة الربيع ، حيث تلتقي الطبيعة بعد افتراق ومشاقة ، انه ألتقاء الاشعة في المرجع ، ولا بد للانسان ان يستجيب لهذا الانسجام الرائع ... فهو وتر في لهاة الطبيعة . ورنة في اغنية لم تكتمل ولم تبلغ نهايتها . ولتحمل النفس عبئها ففي توقفها نشوة تسمو نحو المستقبل موقنة بان وجودها يستلزم التضحية والفداء .
قد تغرد الاطيار ، فأضرب صفحاً عن سماعها . وقد تهب نسائم الصباح فأذهل عن تنسمها . ولكن كياني يرتعش « لضياء » من هذه الشمس ، الشمس المسكينة في نظر البعض . العزيزة الغالية في نظرنا .. ذلك الضياء الذي يدعو
الاحياء الى العمل والحياة .
لست ادري من قال وهو يحتضر : « اضيئوا الانوار » فكم هي مرعبة ظلمة الليل اذا لم يؤمن الانسان باختلاف الليل والنهار ... ليس بالامر الهام ان يضمنا الليل ويطوينا الظلام ما دمنا نؤمن بالحقيقة الخالدة وما دمنا نخترق لينبعث النور الذي يضيء الظلمات .
امام مكتبي تربض بقايا اوراق مبعثرة . بقايا كلمات خطتها يراعي في حالة من حالات النفس . ففي هذه الحياة على قلة ما تحفل بما له قيمة ، ثمة لحظات انطلقت من عقال ما يعتورها ، انها سطور مسكينة يعوزها التصويب وتحتاج الى اكثر من ضربة من ريشة تعمل بأناة وروية ... هذه السطور تنتظر النور لتحيا مع الآخرين ، فليست لها اية قيمة ما دامت ترقد في بطون الورق ... انها تحتاج الى انسان يحملها ليبثها حديثاً هامساً . خافتاً حيناً ، مدوياً مجلجلاً حيناً آخر . انها بحاجة الى شعاع من نفس يكسبها الحياة .
ستطالع الشمس الاحياء وتعاود كرّاتها كل يوم وسيبقى في الدنيا من لا يأخذ بلبهم ضياؤها ولا يستخفهم شعاع منها . وسيبقى وسيتكاثر امثال ذلك الشاعر القائل :
ينظرون الى الشمس ؛
هؤلاء المتعجرفون
ويقولون :
هذه الشمس المسكينة لاتساوي شيئاً
وانا كنت مستعداً
ان اقدم عالماً بكامله
لقاء شعاع
مرتسم على الجدار

