لقد غالى بعض المفكرين لاسيما بعض الذين اقنعوا نفوسهم بانهم مفكرون لقد غالى هؤلاء في فصل المرأة عن النوع الانساني الذي كادوا يحصرونه في الرجل. والواقع ان كل حمية تميز المرأة انما تنطلق من النفس الانسانية الشاملة، وكل نقص يشوبها انما يرجع الى العجز البشري الشائع، وكل اثر من آثار ذكائها انما هو وجه من وجوه الفكر الانساني العام».
وتقول مي في موضع آخر على لسان احدى الفتيات المراقبات من لدن اهلها مراقبة شديدة:
«معاملة كهذه تحملني على الشك في صلاحي وكرامتي وقد يدفعني الغيظ والكبرياء الى فعل ما لا افعله لو كان لأهلي ثقة بي. النبات حرّ، فلماذا لا يكون الناس احراراً؟
اقول الحرية واعنيها وهي ليست الاباحية كما يزعم الكثيرون، والفرق بينها ان للواحدة حدوداً تهدمها الاخرى وتتجاوزها»
وتقول ملك حفني ناصف: «ولا يغبطني اكثر من ان يزعم الرجال انهم يشفقون علينا. اننا لسنا محلاً لاشفاقهم انما نحن اهل لاحترامهم، فليستبدلوا هذا بذاك. والاشفاق لا يتأتى الا من سليم لعليل، او من جليل لحقير. فأي الصنفين يعتبرونا؟. تالله اننا لنأنف ان نكون احد هذين».
وتستطرد في هذا المعنى: «يقول لنا الرجال ويجزمون انكن خلقن للبيت، ونحن خلقنا لجلب المعاش. فليت شعري اي قانون صدر بذلك من عند الله، انهم لو انصفوا ولم يتحزّبوا لما عيرونا باننا قليلات النبوغ وانه لم يسمع بان احدانا غيرت قاعدة في الحساب والهندسة مثلاً، وليتفضل احدهم باخبارنا عما استنبطه من تلك القواعد، فنحن نعترف لرجال الاختراع والاكتشاف بعظيم اعمالهم، ولكنني لو كنت ركبت المركب مع
خريستوف كولمب، لما تعذر عليّ انا ايضاً ان اكتشف اميركا!».
لقد كانت ملك حفني عاصفة ترأر وتتجهم وتسخر وتتهجم. ترسل البرق آونة والرعد اخرى دون ان تخشى في قول الحق لومة لائم. يرهق اعصابها ما ترى وتسمع في بنات جنسها عامة والمسلمات منهن خاصة، فترسلها لفحات لاذعات لانها لا تريد لهن هذا الذي رأت ولا ترضى لهن هذا الذي سمعت. فهي تتطلع الى مستوى أعلى للمرأة. ولعلها تدركه يوماً ما دام الحق في جانبها.
وكانت مي بحراً زاخراً يعب من الانهار التي تتدفق فيه ولا يكاد يرتوي ويهيج ويموج بتأثير الانواء المتلاطمة فيه. ولكن عندما تدنو امواجه من الشاطئ، تدنو متأنية خفيفة فلا تكاد تلمس الرمال السمراء حتى تتراجع ململمة ذيلها خشية ان يكون قد علق فيها من الرمال ما يشوب بياضها.
وهي الى ذلك ما تفتأ تعيد الكرة مرة ومرة لتبلغ ما تريد من اصلاح المرأة والنظم والكون.
لقد كانت مي وملك حفني ناصف حاجة لازمة من حاجات ذلك العهد لتكتمل بها عناصر التقدم والاصلاح في الادب.
والاصوات المتباينة النغمات المجلجلة في اذن الوجود بآيات بينات من السحر الحلال كان ينقصها صوت انثوي يخفف من حدة تلك الجلجلة ويمهد الطريق لأدب رفيع يأخذ مكانته اللائقة بين الآداب الحية.
اما التأثير الذي احدثته كلا الادبيتين على حدة في الادب الحديث لا سيما النقد منه فهو كبير فعال تلزمه دراسة واسعة لا يمكن ان تتلخص بعجالة كهذه محدودة الدقائق.
رحم الله ملك حفني ناصف ورحم الله مي، فأن الاولى أسدت الى المرأة المسلمة يداً بيضاء ما كان لمئات مثلها ان يسدينها اليها في وقت واحد معاً.
وان الثانية أضفت على الادب العربي رواء من روائها فاهتز من قاصيه الى دانيه مجداً شخصية المرأة في مي، مقدماً تلك الانفاس العطرة جاعلاً لها في السويداء من قلبه هيكلاً تتبتل فيه وتتعبد.
هذا اللحن !
اجل، هذا لحنك! — لحنك المفضل!.. يتجاوب رجعه في نفسي انتفاضاً مثيراً، وما اسرع ما يحلق بي... وفي مثل رفة الهرب اراني في عالمك انت... دقائق معدودات اعيشها معك، ومع لحنك الحبيب... وكأن الخمس عشرة سنة دقائق خمس!...
★
... مع هذا اللحن تعود اليّ قوياً جامحاً كشظية من حمم البراكين!... الوقت صيف، وانا وحدي على شرفة بيتنا أنصت الى وشوشة الصنوبر في الليل... فجأة، تنتصب امامي! حتى الان ما ادري من اين هبطت!! وكان في يدك شيء دفعته اليّ قائلاً: «هذه الحان اخترتها لك بنفسي. انها تراث الموسيقى العالمية. اما هذا فلحني المفضل... أسمعينيه الان وانا مستلق في وجه القمر. لو تعلمين ما يعني لي هذا اللحن! انه «نشيد الحياة» فاذكريني كلما مرت انغامه بسمعك او ببالك..»
★
نعم، هذا لحنك، لحنك المفضل بالذات، وما اسرع ما تتلاشى انفاسه المنومه، وانا وحدي في الليل، مع ذكرياتي الثائرة المرتبكة...
... لا قر على شرفي... ولا رفيق!
افروديت
