بهذه الأبيات التي تمور فيها حكاية نفس مرسلة خيّرة ، تنسّم فيها شذى الأزهار في المروج ، وتلمح في آفاقها بوارق خاطفة من سعة علم وتوقد قريحة ، لتريك الجمال والنبل في أبهى حللها القشيبة في لون جديد من ألوان الأدب النسائي الذي يعتمد على القلب واللسان ، القلب في اختلاجاته الذائبة رقة وانطلاقاً ، واللسان في طلاقته وحنكته .
أجل ، بهذه الأبيات استهلّ الشاعر شبلي ملاط قصيدته في مي في إحدى الحفلات التي أقيمت لها بلبنان حينما أمّته زائرة سنة ١٩٢٢ .
وإني كلما استعدت هذه الأبيات القلائل استعادت مخيلتي لمي لوحة فنية رائعة تمثلها هي بالذات أكثر من أية صورة سواها ، على وفرة ما رسم لها الفنانون من لوحات موفقة كانت لهم من بعد أثراً خالداً ولافتتانهم بها حينذاك تعلّة وإلهاماً .
فأما أحاديث مي ، فلم يحمل منها إلا ما قيل فيها من منظوم ، وإلا النادر ما علق بذاكرة أدباء عصرها الأحياء كطه حسين والعقاد ومنصور فهمي والطناحي وسواهم قليل .
وأما فرائدها الحية فلقد جمعتها هي نفسها في أربعة عشر كتاباً حتى سنة ١٩٢٤ كان أولها سوانح فتاة ، ويلاحظ أنه جمع تلبية لترسّل وإعجاب الشاعر ولي الدين يكن ، وآخرها كتاب الصحائف ، وهو عبارة عن مجموعة قيمة من دراساتها لبعض الشخصيات المعجبة بها كالدكتور شميّل وميكال أنجلو ومدام دي سفينيه وإسماعيل صبري وجبران خليل جبران في مواكبه .
وأما المقالات التي ديّجتها يراعها في المقتطف والرسالة والهلال والمقطم وسواها من المجلات الراقية منذ سنة ١٩٢٤ إلى حين وفاتها فهي ما تزال في بطون تلك الصحف والمجلات تنام إلى غير ما بعث أو نشور ، لأن أحداً من الأدباء الذين يستطيعون إسداء يد الخبير إلى الأدب لا يريد بل ولم يفكر في تكليف نفسه عناء التنقيب والتفتيش لبعث تلك المقالات من رقدتها .
وأما رسائل مي الخاصة إلى النخبة الممتازة من أصدقائها الأعلام كالريحاني والشميّل وصروف وأنطون الجميّل ، وسواهم من الأحياء فإنها ما تزال في ذمة الغيب لا يعلم أحد - غير أصحابها - بمصيرها وما آل إليه أمرها ، وهي على ما
اعتقد كنز ثمين يفتح الآفاق الواسعة لتتبع عصر النهضة الفكرية في العالم العربي على ضوء من الحقائق الراهنة إبان ازدهار تلك النهضة ونموها وتلقيحها .
وثمة آثار لمي لم تنشر بعد وهي جديرة بالاهتمام والنشر ، أذكر منها ( ليالي العصفورية ) والجزء الثاني من ( كلمات وإشارات ) و Voix des Femmes D'orient وهي مع سواها من المخطوطات التي خلفتها ما تزال جميعاً تحت الحجز الثقيل كأنما أريد بها الثأر من أنفة ونبل تلك العبقرية الفذة ثأراً أبدياً ، ألحق بصاحبتها الغبن الفادح حية ، وأباح من بعد وفاتها لبعض الذين أرادوا ترجمة حياتها في مؤلف أو كتيب ، التخبّط في ما لا نهاية له من السخف - لا سيما من الوجهة العاطفية - جعلها في مقام غير لائق بها ، هي التي طالما أوحت لأمة الأدب - بما جبلت عليه من سمو خلق ونبل نفس - خالد الشعر وجميل النثر ورائع التأليف ، في حقبة من الزمن كانت ألقاً يخبو لديه كل ألق في جبين الأدب العربي .
من هذه الناحية نرى أن التاريخ لم ينصف ميّاً كما أنه لم ينصفها كذلك من ناحية أخرى كأديبة لها شخصيتها المستقلة


