لكثرة عددهن بسبب الحروب العديدة والفتوحات الكثيرة ( فاسرى الحرب كانوا يقعون في الرق حتماً ) وبسبب النخاسة اي تجارة الرقيق التي اصبحت تجارة رابحة. نعم اذا عرفنا العدد الهائل المتجاوز في بعض الاحيان بضعة الوف والذي كان بإمكان الرجل الواحد ان يحصل عليه من الجواري، عرفنا اية حرية مطلقة كان يتمتع بها في اختيار سراريه. وحسن الاختيار ميسور سهل، ولاسيما والنخاسون اصبحوا ذوي خبرة واسعة بتجارتهم فلا يعرضون الا كل من درت عليهم الربح الكثير من صاحبات الجمال الفتان، والذكاء الحارق والذوق السليم، والثقافة الواسعة العارفة بانواع الفنون الجميلة ولاسيما الغناء.
وتعود النخاسون والاسياد ان ينفقوا على الجواري الكماليات الاوصاف المبالغ الكثيرة لتثقيفهن الثقافة العالية من كل نوع ولاسيما في الفنون والاداب العالية، فلا غرو ان تزاحم الجارية، وهذه اوصافها، المرأة الحرة على مركزها وعلى قلب زوجها وهي مسلحة بأتم السلاح من ثقافة ورقة وادب وغنج ودلال لغزو ذلك القلب وهل من عجب اذا رجحت كفة الجارية على كفة الحرة في هذا المضمار وهل يتساوى في ميدان الحرب الاعزل وشاكي السلاح ؟
والمبالغ الباهظة التي كانت تنفق على تثقيف الجارية هي الدليل القاطع على ان الرجل لا يرغب في المرأة الا مثقفة تفهمه وتجاريه في حياته، وانه بحاجة الى ان يحسها قريبة منه في المجتمع تشاطره مسراته واحزانه ولهوه وجده، وان الحياة بدونها لا لذة لها، فلو لم يكن نظام الجواري والحالة هذه في متناول يديه لأرته الحاجة وهي ام الاختراع واجب تعليم المرأة الحرة وتثقيفها لتصبح صالحة لهذا الدور، اما وقد وجدت الجواري
والسراري فهذا الشعور بات ضئيلاً.
واذا عرفنا ان هؤلاء الجواري كن مختلفات الاجناس، عرفنا ان السراري كن يمثلن اكمل ما في كل من هذه الاجناس من خصائص وميزات، فكان الرجل يجد في معاشرتهن مجتمعات احب ما يصبو اليه من متعة جسدية واجل ما يحن اليه من لذة عقلية، لقد كان يجد مثلاً في الهندية الوداعة ولين الجانب والهدوء وحسن رعاية الطفل، وفي السندية الخصر النحيل والشعر الطويل، وعند البربرية الطاعة العمياء التي تدغدغ كبرياءه مع دماثة الخلق ولين العريكة، كان يلذ ببياض البشرة عند التركية ونعومة الشعر وزرقة العينين عند الرومية كما يرتاح الى اسنان السودانية اللماعة فكان الرجل قد استعجل ما وعد به في الاخرة فاراد ان تكون له جنة على الارض يتمتع بحورياتها فكان نظام الجواري.
مسكينة المرأة العربية وهذه حالتها، شعرت بانخفاض منزلتها في قلب الرجل فهبت الى مكافحة الجواري لاستعادة تلك المنزلة، واذا اعوزها السلاح الذي سلح به هؤلاء عمدت الى سلاح آخر من الدس والرياء والتآمر والنفاق حتى أصبحت هذه السيئات مع الاجيال رمزاً تعرف به المرأة العربية، فاذا قيل في المجتمع العربي « المرأة » قالوا هي الشيطان والغواية، هي الكذب والنفاق، هي الرياء والحيلة.
ولم يقتصر خطر التسري عند هذا الحد بل تعداه الى وضعية الدولة اذ
كثرت السراري من نوع آخر نوع خطر هو نوع « ام الولد » أي ان السرية اذا ما استولدها سيدها ولداً وألحق الولد بنسبه اصبح له من الحقوق ما لاخوته من زوجته الشرعية، كما طغا تيار التزوج من الاماء بدل الحرائر لاسباب عديدة منها سهولة المهر ووفرة الجمال وتنوعه واختلافه، عما ألف العربي في محيطه، ومنها السبب الاولي الذي اشار اليه الجاحظ بقوله : « قال بعض من احتج للعلة التي من اجلها صار اكثر الاماء احظى عند الرجل من اكثر المهيرات ( الحرائر غاليات المهر ) ان الرجل قبل ان يملك الامة قد تأمل كل شيء منها فاقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة والحرة انما يستشار في جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء، وحاجات الرجال وموافقتهن قليلاً ولا كثيراً، والرجال بالنساء ابصر ... »
ومن اقوال العرب المأثورة بهذا الموضوع : « الامة تشتري بالعين وترد بالعيب والحرة غل في عنق من صارت اليه، » و « عجباً لمن عرف الاماء كيف يقدم على الحرائر » .
هذا الخطر الثاني لم يقتصر ضرره على المرأة العربية بل تعداها كما قلت الى الدولة فالدولة وقد كثر فيها الهجناء « والهجين هو من كان عربي الاب اجنبي الام » واهلت بالكثيرين من ابناء الاماء اصبحت عرضة للتفسخ والانقسام، لانه من الطبيعي ان يتجمع هؤلاء على اختلاف اجناس امهاتهم ليؤلفوا جبهة قوية ضد

