

دامت ثماني سنوات تعدّها تلوله خير سني حياتها ، غزت فيها المدينة وكسبت صداقة كبرائها خاصة ولي العهد . تسرد المؤلفة ذلك بتفصيل ، وتتحدث عن المسرحيات المختلفة التي مثلت فيها ، وعن النكت التي فاهت بها في المناسبات المختلفة فبقيت وستبقى من بعدها ، وعما تحب في الحياة وما تكره ، وعن آرائها في هذا من عظماء البلد وذاك ، وعن رأيها في الحزب الديمقراطي الذي تحب ، وعن الاشاعة السائدة بانها تتعاطى المخدرات ( فتصرّح ان الاشاعة مختلقة : كل ما هنالك انها تعاطت الافيون مرة والهرويين اخرى والكوكايين ثالثة والحشيش بضعة مرات ) . وتذكر اقاصيص حبها ، فتشير الى « زعيم العشاق » جون بارمور الذي خسر جولته معها ، كما ندر ان يحدث له مع سواها ، وتعترف انها احبّت في حياتها مرتين : احبّت نايبير اي اللورد النجنون واحبّت شخصاً آخر اغفلت تسميته لانه لا يزال حياً ، فافسحت بذا المجال للتكهنات ، ولا
جدال في ان الاشهر القادمة سترى عدداً وافراً من المقالات التي يحاول فيها الكتاب كشف الستار عن الحبيب المجهول .
اذا فتلوله تصرّح بالكثير ، لكنها لا تصرّح بكل شيء . وها هي نفسها تشعر بان القارئ كان ينتظر منها ألا تخفي عنه شيئا ، وانه كان يتوقع اعترافات اين منها اعترافات روسو ، فتعتذر لذا له لانها خيبت ظنه ، لكنها تقول : « نزولا على ما يقتضيه الذوق السليم لم اخط كل نقائصي ! » وتردف : « وماذا كنتم تنتظرون ان تقرأوا ؟ أعبر الى الابد ؟ ! » أجل ، ان تلوله اسدلت الستار على غرفة نومها ، لكنها نزعته عن سائر غرفها الاخرى دون ان تسعى اولاً الى توضيبها .
تلوله اسطورة ، وهي ايضا رمز . رمز للمرأة التي تحدّت البيئة والمجتمع ، وفعلت كل ما ارادت ان تفعل ونجحت فيه ، سواء في حقل الحب او الفن او الحياة . مؤخرا ذهبت امرأة الى محلّل نفسي واخذت تروي له احلامها ودلائل نوظفتها ، ولما وصلت الى قولها : وامس حلمت بتلوله بانكهد ، اوقفها المحلل وقال : فهمت ، أجل ، أجل !
الكتاب الثاني عنوانه « مارد » للروائية ادنا فيربر . واذا كانت مؤلفتنا الاولى قد لمعت في حقل الفن والمجتمع فان المؤلفة هذه لمعت لحد كبير ايضا ، في حقل الادب الروائي . نشرت في الماضي عدداً من الروايات التي تقبلها النقاد والقراء على السواء بكثير من الاستحسان ، وصمتت سنوات طويلة ، خرجت عنها في الايام الماضية بالكتاب الذي انصفحه في هذه العجالة .
اثار الكتاب الجديد ضجة في ولاية
تكساس : فالمارد الذي يشير اليه العنوان انما يقصد به تكساس التي تدور احداث الرواية فيها ، والتي يرى بعض المعلمين ان اشخاص الرواية مأخوذون من ابنائها المعروفين ، على الرغم مما جاء في اول الكتاب ( كما جرت العادة ان يجيء في اول الكتب ) من ان جميع الاشخاص خلق المخيلة وكل شبه انما هو مجرد صدفة ! ومن امارات هذه الضجة سبعة ابحاث متتابعة نشرها كاتب من تكساس هاجم فيها المؤلفة وحمل عليها لانها لم تر في الولاية غير مكان رذل فيه السكان وساء المأكل وامتحت الحضارة وازدهر المال ، ووضع في مقالاته من الاوصاف المرة الشيء الوفير ، فوصف الكتاب بانه رخيص ، كذوب ، حقود ، حقير ، خاطئ المعلومات ، مغرّض ، الى غير ما هنالك من الاوصاف المائلة . وعلق كاتب آخر قائلا : لتهنأ المؤلفة وليهنأ الناشر ، فان الكتاب سيلقى نجاحا كبيرا في سبع واربعين من ولاياتنا ! وقال آخر : صرّحت ادنا فيربر انها لا تحب تكساس التي تكتب عنها ، فلتثق ان العاطفة متبادلة !
والواقع ان الكتاب بكامله عن تكساس . انه دليل للسياح الى تلك الولاية الخيالية دليل قد يحتاج اليه سكان الولاية انفسهم لانه يصوّر بلادهم كما لم يعرفوها . انه عن تكساس حيث طول القزم ستة اقدام وحيث الناس فئتان : مليونير ثري ومليونير فقير . وقد تعمدت المؤلفة انتقاد ما ترمز اليه الولاية والتأكيد على ان الثراء بحد ذاته ليس شيئاً ، فهي تجعل احدى اشخاص الرواية تقول : « هنا في تكساس عندنا المباني الشاحقة المبنية في البراري الشاسعة ، لكن الفكر عندنا ضئيل والحضارة ضحلة » ، وهي تشدّد على ان اتساع المساحة لا يعني العظمة ، وتردف : « وهل ازهار الشمس تفضل البنفسج لانها تكبره ؟ ! »