وهي اعترافنا بان للولد شخصية مستقلة لها حق التفكير والشعور والتصرف المنفرد. والحادث هو اني مررت يوماً بجارة لي فوجدتها تبكي بكاءَ ألم مرير. اقتربت منها وسألتها عن سبب بكائها فرفضت الكلام في بادئ الامر ثم ادارت وجهها نحوي ومسحت دموعها وقالت بصوت اجش: سأخبرك عن فعلي كي تهزأي مني وتوجّهيني لعل في ذلك لي بعض التعزية.
قلت: تكلمي فالبوح انشراح.
قالت: دخلت بغتة الى غرفة ابنتي فلاحظت انها ارتبكت واخفت شيئاً تحت فرشها، وجلست فوقه. فسألتها عن سبب ارتباكها وعن الشيء الذي خبأته فانكرت عليّ وجود اي شيء مخفي - فهددتها بالقسوة ان لم تقل الحق ولكنها اصرت على النكران فضربتها بلطف اولاً ثم انهلت عليها بالضرب القاسي الى ان لم تعد تطيق ظلمي فانفجرت بالبكاء وصاحت: «سأقول لك الآن ماذا كنت افعل عندما دخلت غرفتي ولكني كنت افضل ان ابقي الخبر مكتوماً حتى موعد عيدك فاهديك هذه - واخرجت رزمة لم يكتمل لفها بعد - فتكون لك مفاجأة جميلة. اني منذ ان اهديتني انت تلك اللعبة الكبيرة في عيدي السابع، اجمع كل فلس من خرجيتي حتى اتمكن من شرائها، دون ان اطلب دراهم من ابي خشية ان يفشي امري لك قبل اوانه فيضيع رونق الهدية.
قالت هذا وهي تجهش بالبكاء ليس لألمها بل لارغامي اياها على الكلام وافسادي عليها لذة مفاجأتي بشيء عظيم. تصوري حالتي الآن بعد ان بادلتها بهذه القسوة جزاءً على ذلك الشعور نحوي.»
صمتت الام قليلاً وقد هدأت الرواية روعها، ثم سألتني محاولة تخفيف ما بها:
«ألا تظنين انه من حق الوالدين ان يعرفوا كل ما يأتي به اولادهم؟»
فأجبتها: «انك لست وحدك المخطئة بهذا التصرف، فان معظم الاهل عندنا يأتون بتصرف مماثل لتشبثهم بما يعتقدون
انه حق لهم على اولادهم. فاذا اذنت سأروي هذه القصة على مسمع جميع الوالدين كعبرة لهم في تصرفهم مع اولادهم فاذا اعتبروا يكون لك شيء من العزاء.

