







... تعود الانسة ناهدة فضلي الى الكتابة من جديد ، غير انها في مقالها اليوم تعالج مشكلة تربوية لغوية ، بينما عرفناها من قبل بالشاعرة المتذوقة للجمال وحسب !
ونحن نقدر في الانسة ناهدة فضلي علمها وذوقها الادبي ، واننا على يقين بانها ستبر بالعهد الذي قطعته على نفسها وتوافينا من قبرص ، الجزيرة الخضراء ، بمواد ادبية رائعة !
يطيب لي بين حين وحين ان اجمع حولي حفنة من الاولاد الظرفاء ونتحدث كأننا اصدقاء لا نعرف الكلفة : وكان بين هؤلاء الظرفاء واحد في السادسة من عمره فاجأته وهو يمد لسانه لصاحبته فسألته : « لشو عندك لسان ؟ » وببداهة محبة اجاب : « لأحكي » وقلت : ولماذا تحكي . فبدت عليه حيرة مكشوفة ثم ضحك طويلاً وقال : انت ما بتعرفي ليش ؟ وادرت وجهي لصاحبته وسألتها مداعبة : « هل رأيت القمر ليلة امس يا حلوة ؟ » فلمعت عيناها واجابت بكل هدوء : No!
وقمت من بينهم وفي رأسي مشكلة : جميل ان يشعرني الولد انه فاهم يعرفان وظيفة اللغة الاولى هي النقل ، نقل الافكار والخواطر والاحاسيس والطلبات اذ هي اداة التعبير التي بواسطتها يحادث زيد عمراً في كل امور الحياة . لقد عرف الولد هذه الوظيفة ، عرفها بغريزته الحيّرة وبشعوره القوي اللذين امليا عليه ان اللغة رابطة قوية بين الشعب ..
ورحت انا افكر في قيمة الحكي وبالتالي في قيمة اللغة ، فلقد افهمني الولد انها اداة التعبير ولكنه خلق لي ولصاحبته مشكلة تحتاج الى تكريس عقول علماء النفس والتربية ومن قبلهم الادباء اصحاب
هلا ذكر الوالدون ان الطفل كميزان الحرارة يعكس ما يشعرون به من فرح وترح؟! ومع هذا فكثيراً ما يضربون باحساسه عرض الحائط ، ناكرين عليه شدة تأثره بالجو العائلي ، جاهلين ان نفسيته تتأثر بالحزن والخوف والحب ، وغيرها حتى قبل فهمه لغة الكلام ؟ ولما كنا على ثقة بات للصم والبكم احساساً فريداً من نوعه ، أصبحت نظرية احساس الطفل للجو العائلي غير بعيدة عن الصواب .
ينظر الولد الى والديه كأنهما صورة لنفسه ، ولكن على نطاق أوسع . يتعرف على الحياة بواسطتهما ، ويتأثر بما يؤثر فيهما . وان الوقوف على هذه الحقيقة يجعل الوالدين اكثر تحفظاً لتصرفاتهما مع اولادهما ، وتجنباً للثرثرة وانتقاد الناس .
لا نعرف قيمة احساس الطفل للجو العائلي حق معرفة ، ما لم نقابل بين شخصية طفلين الاول نشأ في جو ملؤه التفاهم والسرور ، والآخر نشأ في جو مخالف لذلك . ان الولد الناشئ بمحيط مفعم بالخلافات العائلية ، يكون ذات شخصية متناقضة ونفسية غير مطمئنة ، لانه يكون مؤمناً بان والديه متفهمان متحابان . ولما يفاجأ بأي خلاف او شجار بينهما مما يعكر الجو العائلي ، يقع هو في حيرة ، اذ انه لم يحسب لهذا التناقض حساباً . وحيرته الفكرية هذه تجر على نفسيته من السيئات ما لا تحمد عقباه . لذلك يؤكد الاخصائيون في تربية الاطفال على الوالدين ان يحرصا على تفاهمهما معاً خدمة لسعادة اطفالهما ...