لم اعهد نفسي وقد كلفتني مجلة « صوت المرأة » ان اكتب كلمة بمناسبة ذكرى ولادة الرسول الكريم ان اكون مثل ما انا عليه من التهيب والشعور بالقصور من ايفاء هذه الذكرى حقها . كما اني قد احترت في اي النواحي اتكلم ومن اية ناحية انظر الى محمد صلى الله عليه وسلم .
انظر اليه من ناحية انه القاضي العادل ، ام المجاهد الصابر ام المربي الكبير والواعظ الكريم . ام المثل الاعلى . ام انه اول من تكلم عن شرعة حقوق الانسان ، او انه السابق في اعطاء النساء حقوقهن .
لقد كان عليه السلام اكثر من كل ما ذكرت . فهل من العجب ان اشعر بقدر عظيم من التهيب والقصور معاً .
وكان فوق ذلك عاملاً في ناحية اعلى ما كان يتوقعه الناس من داع في الارض يرشد الناس الى ان الاديان الالهية ليس بينها اختلاف في المعتقدات والاصول ، لان مدار الاديان كلها الايمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح . وان الحقائق الدينية التي جاء بها الاسلام هي التي جاء بها جميع الانبياء . فاذا رجع الناس اليها زال ما بينهم من اختلاف ديني يثير التعصب الذميم . قال تعالى : « شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي اوحينا اليك . وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى - ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه » .
كما انه دعى الى الاخوة والتناصر :
« والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة » .
وقد ساوى في هذا الواجب الذكور والاناث على السواء . كما وفق بين مطالب الدنيا والآخرة : ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه . بل خيركم من آخذ من هذه وتلك .
وقد ذكر عنه انه بينما كان جالساً مع اصحابه نظروا الى شاب ذي قوة قد بكر يسعى ويجاهد في الشغل والعمل . فقالوا ويح هذا لو كان شبابه وقوته في سبيل الله .. فقال الرسول عليه السلام : لا تقولوا هذا فان كان خرج يسعى على اولاد له صغار فهو في سبيل الله . وان كان خرج يسعى على ابوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله . وان كان خرج يسعى على نفسه ينفعها فهو في سبيل الله .
فهل سمعنا بحكمة في الحياة العملية تسمو هذه الحكمة ..
وقد كان صلوات الله عليه المثل الاعلى في العدل بين الناس والمساواة . سرق « طعمه » الذي كان حديث العهد بالاسلام درع « قتادة » احد اتباع الرسول واتهم زيداً اليهودي بهذه السرقة واستمسك طعمه وقومه ببراءته ظناً منهم ، وبعض الظن اثم ، ان الرسول يجرم اليهودي لانه يهودي ويقبل يمين المسلم وشهادة المسلمين ويبريء السارق لانه مسلم .. رفع المتداعون امرهم الى الرسول القاضي العادل فشرح طعمه وقومه القضية بالشكل الذي يبتوا امرهم عليه .
تأمل الرسول القضية واستكشف سرها الدفين واستشار السماء واستنزل الوحي . فسمع المتداعون انبل حكم سمعه سكان الارض ... آيات بينات تليت بعذوبة لسان الرسول : « ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ، وهو معهم اذ يبيتون ما لا يرضى من القول ، وكان الله بما يعملون محيطاً . ها انتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ام من يكون عليهم وكيلاً .. »
وهكذا فقد حكم لذلك اليهودي ورد خصمه المسلم خائباً مدحوراً .

مديرة كلية المقاصد للبنات
اما في المساواة فقد اقام حدها على نفسه قبل ان يقيمها على اتباعه . فانه عليه السلام لما بركت ناقته وهو مهاجر الى يثرب بركت على فريد سيل ابن عمرو فابتاع الرسول الارض ودفع ثمنها واشار ببناء المسجد فلما دأب المسلمون من المهاجرين والانصار على البناء ساوى نفسه بهم وهو القائد العام فعمل ببناء المسجد بيديه الكريمة ليحقق حديثه الشريف - لا يكمل ايمان المرء حتى يجب لاخيه ما يجب لنفسه -
اما حلمه الجليل فقد يظهر بالحادثة التالية :
امسك يوماً يهودي بتلابيب رسول الله يطالبه باداء دين لم يحل اجله بعد . وهو يقول : اعطني حقي يا محمد واغلظ له القول وكان الى جانب الرسول عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وهو معروف بغيرته على الرسول وحبه الصادق له . فما ان سمع اليهودي يوجه هذا القول الى الرسول في قحة وسماجة حتى هجم عمر على اليهودي يريد ان يعطيه جزاء شدته ويلقي عليه درساً عملياً قاسياً في احترام رسول الله والالتزام الادب في
