الرزق والمعيشة ، فغالباً ما كانت لغتها اعجمية غريبة ، وكذلك اهواؤها وآمالها وافكارها وعواطفها ونوازعها . والنقص الذي تشعر به في صفوفها وحياتها - عاطفياً كان او اقتصاديا او اجتماعياً - لا يتناسب مع بيئة المجموع الذي خرجت منه ، ولا يتفق مع النقص الذي تشعر به المرأة الفقيرة ... فنفسية الاولى مخالفة لنفسية الثانية ، وتركيبها العقلي والعاطفي يختلف عن تركيب هذه .
هذا من جهة ، ومن الجهة الاخرى نلاحظ ان الفساد في الناس اكثر انتشاراً عند الرجال منه عند النساء ، خصوصاً في بلاد محافظة اخلاقياً - على الطريقة التي نعرفها عندنا - كبلادنا . فاذا سمحنا للرجل - لكل رجل - بالتعبير عن رأيه بواسطة الانتخاب على الاقل ، بغض النظر عن اخلاقه وثقافته وسلوكه ، فأما نحن نفسح المجال واسعاً لعدد كبير من الناس الذين لا يصلحون لذلك ، ثم نحن في الوقت ذاته نحجب مثل هذه الصلاحيات عن المرأة الجاهلة مع العلم انها على جهالتها اصلح من الرجل وأسلم نية واصدق صوتا ... وأشرف ... ولقد سمعت أحدهم يعلق على هذا النظام الجديد بقوله : « هل من المعقول ان نسمح لرجل سافل ينتقل في الازقة النهار بطوله ، بلا عمل ولا هدف ، بالانتخاب لانه رجل ليس إلا ، ثم نمنعه عن امرأة قابعة في دارها ، تغسل للناس وتسهر على تربية أطفالها وإعدادهم ؟ ... وذلك لأنها غير متعلمة ؟! .. »
الواقع هو اننا جميعاً مخطئون ... القضية كما افهمها ليست قضية رجل وامرأة ، ولا قضية متعلم وأمي ، انها قضية فرد ومجموع ... والذي أعنيه بذلك أنه من الضرورة أن نجد مقياساً آخر لقياس الحقوق والصلاحيات غير مقياس
العادة والمذهب والجنس والطبقة . يجب على هذا المقياس ان يكون مقياساً مجرداً عن كل هذه الاعتبارات الطارئة ، وان ينبثق عن علاقة الفرد بالمجموع ، فيضمن بذلك الحقوق والواجبات معاً . وهذا ، فيما أرى ، كنه الحياة الاجتماعية وسر سلامتها . فاذا نالت المرأة حق الانتخاب - وغيره من الحقوق - لانها فرد فحسب تساوت في ذلك مع غيرها من الافراد نساءً ورجالاً ، وتكون بذلك قد بلغت معهم درجة المواطن الذي يتمتع بكل ما يتمتع به المواطن الآخر ويتحمل كل ما يتحمله ... ويعني هذا ان المساواة عامة لكافة الناس ، وهذه هي الغاية التي يجب ان ترمي اليها كل حركة ايا كان نوعها . واذا لم تكن غاية الدولة مثل هذه المساواة فلامبرر لوجود الدولة قط .
علينا ان نؤمن بان حق الانسان من حيث هو انسان ، وواجبه ايضاً ، وحدة
لا تتجزأ . فالعنصر الانساني في الفرد أهم من الصفات الثانوية جنسية وطبقية ومذهبية وثقافية على السواء . وعلى المرأة ألا تناضل من أجل الامور التي تعتقدها نسائية لمجرد كونها نسائية فقط ، فهي كالرجل ، مواطنة وانسانة قبل كل شيء ، ويجب ان تبني نضالها الاجتماعي والسياسي على هذه الحقيقة الواقعية ... وكل ماعدا ذلك من الامور التي تعتبرها نسائية بحتة فأمور خاصة بها ، يجب ألا تدخل نطاق المجموع العام او ميدان السياسة . وعندما تناضل المرأة على اساس الفرد وعلاقته بالدولة وبالمجموع فستلتقي مع الرجل على صعيد انساني واحد يجعل نضالها ونضاله انفع واجدى وابعد مدى .
المرأة تريد ان تتحرر ، ولكنها تنسى ان الرجل عندنا ما زال عبداً ذليلاً مقيداً اجتماعياً وفكرياً على الاقل . ولو

