تصف الآنسة انتصار طبش عاصمة الانكليز ، بعد زيارتها اياها ، حتى لكأن القارئ يرافقها في جولاتها يداً بيد : من شارع الى شارع ، من متحف الى متحف ، ومن حانوت الى مطعم ...
ان اول ما يطلعك وانت تقطع الطريق من المطار الى المدينة تلك الشوارع الكبيرة التي تحوطها المنازل المنشقة . خلت نفسي في الجنة .. فما هذه المناظر الجميلة ؟ انك لتحسب انك انتقلت فجأة من الارض الى السماء فهذا جمال لا صلة له ببني الانسان .
ها هي معالم المدينة تظهر من بعيد .. هذي سيارات تمر امامنا دون ان تحدث ضجة او ضوضاء .. هناك عربات النقل الكبيرة ذات الطابقين تسير في الطريق وكأنها تطير بجناحين . فما هذا الهدوء ؟ ان لندن بلدة كبيرة واسعة يحكمها النظام وتسودها السكينة ويظلها السلام .
ها انت قد وصلت واسترحت من عناء السفر وبدأت تسأل عن منزل للسكن فاذا بك تفاجأ بشركة كبيرة مكلفة بشرائه لك بينما تدفع انت الثمن على اقساط معينة . ثم اذا اتيت تشتري اثاثاً للمنزل تجد كل مطلبك باثمان زهيدة تدفعها في اوقات منتظمة . واذا جئت تبحث عن الفاكهة والخضر وجدتها بكميات كبيرة تباع باسعار رخيصة الا ان لندن لم تتخلص حتى الآن من التقنين ( اي الاعاشة ) الذي يشمل السكر والبيض واللحم والزبد وغيرها .
تعال معي الآن نسر في شوارع لندن ونشاهد حدائقها العامة التي تخترقها
الانهار والبرك الصناعية وتنتشر فيها الطيور على اختلافها . هنا اطفال تلعب وهناك امهات تقرأ والكل صامت هادئ لا يأتي بآية حركة تزعج غيره . وكم من مرة فوجئت بجماعة قد وقفت وسط احدى الساحات بينما ظهر خطيب في وسطها يلقي الكلمات ذات اليمين وذات الشمال اذا صادفت احد هؤلاء في لندن فلا يهمك امره فهو اما مبشر بتعاليم دينه او يدعو للجهاد او ينادي بالحرية .
ما هذه الجماهير التي تدخل وتخرج من هذا الباب الواسع ؟ تقدم معي لتعرف ما الخبر ؟ يا للعجب انها مكتبة ... وهذه اول مظاهر الثقافة في لندن ... ان المكاتب هنا لا يحصيها عد وكلها هكذا تراها دائماً مزدحمة بالناس والكل جاء يطلب المعرفة عن طريق الكتب لا يرتوي له ظمأ ولا تكتفي له حاجة .
ثم مالي لا اذكر المتاحف الكثيرة التي تنتشر في جميع ارجاء لندن .. انها كلها تدعو الشعب للاستزادة من العلم . تعال معي ندخل الـ Tate Gallery حيث اقيم اخيراً معرض للفنان المحدث Degas — هذا طفل صغير قد صحبته امه معها واخذت تشرح له كل صورة على حدة فتراه يعي كلماتها باذن صاغية وعين واعية لينشأ محباً للفن متفهماً معانيه . وهنا شيخ عجوز قد أكل الدهر عليه وشرب جاء يقارن بين الفن الكلاسيكي وابطاله من ليوناردو دفتشي الى ميكائيل انجلو وبين الفن الحديث الذي يمثله Degas في معرضه الخاص . وهكذا افراد عديدون من اعمار مختلفة وبيئات متعددة كلهم اتوا لينهلوا اصول الثقافة عن طريق الصور والذي يذكر عن هذا المكان يقال عن غيره من الاماكن الاثرية .
هيا اصحبك هذا المساء الى مسرح الـ Royal Festival لنشاهد احدى استعراضات الباليه التي تقدمها احدى الفرق
العالمية وعلى رأسها انطون دولن وتثالي لسلي وصونيا روفا وبليندا رايت وغيرهن. ان البرنامج اليوم مؤلف من مقطوعة بتروشكا من وضع سترافنسكي وبنوا ، ثم مقطوعة Les Sylphides من موسيقى شوبان ثم Symphony for Fun من دون جلس . حقاً انها سهرة ممتعة يتمنى الانسان لو تبقى مدى العمر .
اما المرأة الانكليزية فسأدع قلمي يطيل البحث في شؤونها لانه لم يخطر ببالي ان اراها هكذا حقيقة امامي .
ادخل احد المطاعم لتناول الغداء ترى المرأة في خدمتك .. اذهب لشراء بعض الفواكه والخضر ترى المرأة امامك اصعد في السكة الحديدية او عربات النقل الكبيرة تفاجأ بالمرأة تقطع لك التذكرة وتعمل بجانب الرجل . ادخل احد المخازن لشراء الملابس والادوات المنزلية تشعر بالمرأة وراءك ترشدك لكل شيء . واخيراً لا آخراً كنت اتصور ان المرأة الانكليزية تعمل في كل شيء بعد ان صادفتها في هذه الامكنة الا انني لم اتصور مطلقاً ان اراها تحمل مكنسة الشوارع وتسير لجمع الاقذار وتضعها في امكنتها ... صدقوني لقد ذهلت ووقفت مشدوهة امام هذا المنظر . وكيف رأيتها ؟ .. في كامل زينتها بعد ان وضعت الرداء الابيض فوق ثوبها وضعت شعرها بشبكة الى الخلف ثم اخذت تجر القاذورات لا تأنف منها ولا تشمئز من رائحتها . فأي مخلوق هي ؟ ثم ماذا ايضاً ؟ رأيتها تسير في

