الشوارع تحمل آلة التصوير تصور المارة ثم رأيتها في المكاتب الكبيرة تعمل جنباً الى جنب مع الرجل الذي اصبحت ارى ظهوره معها من احدى عجائب لندن.
اما الحياة الاجتماعية فمعدومة بتاتاً بين النساء الانكليزيات فأنت لا ترى بينهن زيارات او استقبالات واذا ارادت احداهن ان تجتمع بصديقتها كان ذلك في احد الاماكن العامة او احد الرستورانات .. فكل فرد في لندن يهتم بنفسه لا يسعى احد لمعرفة الآخر او للسؤال عنه او للاهتمام به.
ولقد اجتمعت ببعض اللواتي يعملن وسألتهن عن اجورهن وكيف ينفقنها واين يقضين اوقات فراغهن فأجابتني احداهن وهي تعمل خادمة في اوتيل:
انني اقبض في الاسبوع قيمة ثلاثين ليرة لبنانية انفق معظمها على شراء الملابس ثم البعض منها على وسائل الترفيه. اما وقت فراغي فأنا امضيه بصحبة صديق اما في السينما او في مسرح او في حديقة عامة او في التفرج على واجهات المحلات الكبيرة التي تزين لندن في الليل.
وتعمل المرأة ثمانية واربعين ساعة في الاسبوع وهي تشتغل لتساعد زوجها على تحمل مسؤوليات الحياة فيعيشان معاً حياة مستقلة هانئة. وعندما تبلغ الفتاة الانكليزية الثامنة عشرة من عمرها تبدأ بالعمل وتستطيع ساعتئذ ان تعيش حياة مستقلة عن والديها فتتعلم بذلك الاعتماد على النفس ومواجهة الحياة بروح وثابة ونفس تسعى الى العلى.
واذا ما خرجت تتجول في شوارع لندن اثناء الليل تشعر وكأنك في واضحة النهار فهذه المصابيح الكهربائية تنير جميع الامكنة ... وهذه واجهات المخازن لا يسترها حاجب عن اعين الناس فهي مقفلة بالزجاج فقط تنيرها الانوار من الداخل ... ثم هذه المطاعم مملوءة
بالناس ... ها هي الشوارع امامك غاصة بالمارة والكل يريد التمتع بعالم لندن ومشاهدة انوارها الخلابة. ويجري كل هذا في جو تسوده الطمأنينة ويخيم عليه الهدوء والنظام. فلا ابواق سيارات ولا صراخ اطفال ولا حوادث اصطدام ولا اصوات راديوات.
حقاً ان لندن بلد العجائب فالذي يعيش في لبنان ثم يرى هذه الظواهر لا يستطيع ان يتخيل بانها حقائق ملموسة عشرون يوماً بعدت فيها عن لبنان.
فشعرت بحاجتي لهوائه ومناظره وسمائه وارضه ... ولكنني كنت استعيض عن كل هذا بتلك السكينة وذلك الهدوء اللذين يخيمان على لندن ... وكم اتمنى لو ارى هذا قد انتقل يوماً الى بيروت فأشعر مرة اخرى بانني انسان يعيش بموجب متطلبات الانسان ... فترتاح نفسي ويهدأ بال قريبي الذي كثيراً ما كان يلفت نظري الى جميع ما كان يدور حولي. عشرون يوماً مضت حبذا لو يعود لي هذا الاختبار الجميل!..

