وهل يجوز الكلام عن السياسة في امور الصحة. او عن الصحة في امور السياسة. وهل للصحة في لبنان سياسة او للسياسة فيه صحة يا ترى؟
ان بين السياسة والصحة في بلادنا نفوراً ملحوظاً باديا على كليهما، فالاطار السياسي من جهة، يعتبر ان مرتبة العمل الصحي هي من المراتب الدنيا في مدرج المراتب، والاطار الصحي من جهة اخرى، يعتبر ان مرتبة العمل السياسي هي غريبة عنه، ودونه قيمة، من حيث الاساس، ومن حيث الجدارة باسترعاء اهتمام الانسان. لذلك فالسياسيون، عندما يوزعون مختلف المناصب المسؤولة عن اداء مختلف الخدمات الى مختلف اجزاء الشعب، تراهم لا يتسابقون الى المراكز المسؤولة عن الصحة، تسابقهم الى بعض المراكز الاخرى، ولا يقتطعون للصحة حقها من الموازنة العامة، بل يعينون لها ما تسمح به فظة الموازنة، بعد اقتطاع حقوق معظم المرافق الهامة الاخرى منها. وكذلك رجال الصحة، لو قدر لهم مثلاً، الاضطلاع بمسؤولية السياسة عموماً، لوزعوا مختلف المناصب وقسموا ابواب الموازنة، وفق مفهومية (غير مفهومية السياسيين) للاهمية النسبية لمختلف المرافق، ولاعطوا الخدمات التربوية والصحية والزراعية الاهمية اللائقة بها.
نعم، يلاحظ بوضوح، ان ثمة فرقاً جلياً بين نظرة السياسة الى الصحة وبين نظرة الصحة الى السياسة، فالسياسة في كنهها، توفيق وتعادل بين الواجبات والحقوق، وبين المسؤوليات والسلطات، في حلبة التفاعل المستمر بين الفرد والمجموع. بينما الصحة في كنهها، تطبيق للسياسة على مرفق واحد من مرافق المصالح العامة، الا وهو مرفق الجسد وما ينطوي عليه من تخفيف للألم، وعلاج للسقم، ودفع للعلل وتحسين المقدرة على


