فيض له ، بفضل ولائه لثرائه المهني وبفضل درايته باصول التشخيص والعلاج والوقاية ، ان يحسن تنظيمها والاضطلاع بها ، فيما لو اتبع في معالجتها ، نفس الاصول التي يتبعها في ممارسة مهنته ، او اعتبر ان المجتمع ، كالفرد ، وحدة من اقسام مختلفة ، ترض كلما تنافرت نزعات اقسامها ، وتبرأ كلما تناسقت هذه النزعات ...
والناس على اختلافهم ، لو اتقن رجال السياسة مختلف اعمالهم ، لما وجدوا للتكلم في السياسة سبيلاً او داعياً بل لانصرفوا عنها ، الى معالجة امورهم الخاصة ، على مستوى من القيم الروحية الاخيرة ، التي من اجل تحقيقها وجد الانسان ، والتي من اجل توفير امكانية هذا التحقيق ، وجدت السياسة اطلاقاً . فما هي هذه الاعتبارات الاساسية او المقومات الرئيسية ، لسياسة الصحة في لبنان .
اولا - ان علم الصحة ضروري لتسيير امور الصحة : برامج الصحة القروية والمدنية ، العلاجية والوقائية والتحسينية ، المركزية واللامركزية ، الرسمية والخاصة ، يجب ان تسير وفق علم الاختصاصيين على ضوء الاحصاء الموثوق به ، وعبر ميزانية محترمة لا تقل عن عشرة بالمئة من الموازنة العامة ، ويجب ان توجه الى عموم الناس الذين يحق لهم ان يتنعموا بفيض من نور التثقيف الصحي . نعم ان الصحة علم لارأي ، وهو علم يعنى بايجاد الاختصاصيين من اطباء ومرضات وقابلات وزائرات صحيات وعاملات اجتماعيات واطباء اسنان وصيادلة ومراقبين صحيين وخبراء مخبريين
وغيرهم لاداء الخدمات الصحية الى الشعب بكامله . لذلك فسياسة الصحة يجب ان ان تستمد من علم الصحة لا من سياسة الطائفية والاقطاعية والمحسوبية وان كان الوضع الراهن في لبنان البشري لا يزال مطبوعاً على هذه السياسة الاخيرة وليس على علم السياسة نفسه . فأن الوضع الراهن في لبنان الجرثومي لا يتأثر بهذه الاعتبارات الا بقدر ما تتأثر عقلية الناس بها في انتصاحهم للاختصاصيين في امر صحتهم . وهذا كله قسم ما يجب
ان يعنى به الاختصاصيون انفسهم وهم ادرى الناس به ، واعلم من سواهم بان صحة الناس ، على عكس صحة الحيوانات لا تتأثر بالاعتبارات البيولوجية وحدها بل بالاعتبارات البشرية النفسية والاجتماعية ايضا . اجل ، ان صحة الناس متأصلة في بيولوجية الجراثيم والاجساد ، ومتفرعة في جو عابق بالنفسيات والاجتماعيات الانسانية ، لذلك ان اعتبر العالم الصحي عقلية الناس ونفسيتهم من حيث الطائفية والمحسوبية والاقطاعية ،

