فانما يعتبر ذلك كله ، فقط عند ادائه الخدمات الصحية للقطيع البشري ، ولا يعتبر غير الكفاءة الخلقية والعلمية عند تعين او توظيف من توكل اليهم مهمة تنفيذ هذه البرامج الصحية . ان سياسة الصحة البشرية متأصلة في تربة البيولوجية وتسمو بجذوعها واغصانها الى سماء النفس والاجتماع بينما سياسة الصحة الحيوانية ، غريقة في تربة البيطرة ولا تطمح ابداً الى ما فوق التراب .
ثانياً - ان التنظيم الاداري ضروري لتسيير امور الصحة : ان كافة الخدمات الصحية المبوبة على ضوء علم الصحة ، في برامج عامة ، من قبل الاختصاصيين الصحيين ، والموجهة الى مختلف اجزاء الشعب حسب العمر والجنس والمستوى العلمي والاقتصادي والصحي ، يجب ان تتمركز في وزارة الصحة كي تصبح هذه الوزارة مرجعاً اخيراً استشارياً وادارياً لها ، بينما تتوزع مختلف هذه المهام ، ضمن
اطار الوزارة نفسها ، بترتيب لامركزي وفق منطق العلم والامكانيات المحلية .
ولذلك ينتظر من وزارة الصحة وحدها ان توحد وتوفق مختلف الجهود الدولية والمحلية ، الحكومية والحرة التي تعج بها البلاد ، دونما هدى ودونما اي ارشاد مهمين توجيهي بصير .
ثالثاً - ان الحزم التنفيذي ضروري لتسيير امور الصحة : فوزارة الصحة ، بعد ان تكون قد خططت برامجها ونظمت ادارتها على ضوء علم الصحة ، يجب ان تعتبر بالفعل انها وزارة دفاع ، لانه كما ان وزارة الدفاع العسكرية ضد العدو البشري ، مضطرة الى تسيير امورها بشدة وحزم ، فكذلك وزارة الدفاع الصحية ضد العدو الجرثومي ، يجب ان ترى نفسها مضطرة لتسيير امورها بنفس الشدة والحزم ايضاً ، ويجب الا تتعرقل او تتحور عمليات التنفيذ وفق الخطة المرسومة ، بسبب أية اعتبارات خارجية غريبة عن المنطق الصحي فلا يجب مثلاً في توزيع منح التخصص في الخارج او في الداخل ، مراعاة غير الكفاءة فلا يجوز في توزيع الخدمات الصحية على الاقضية والمحافظات ، اعتبار غير الحاجة المحلية ، المرضية والوقائية كما بينها علم الصحة والاحصاء .
يتجلى بما تقدم ان التنافر بين السياسة والصحة ان هو الا تنافر ظاهري ، وان الواقع يدل على توثق العلاقة بينهما توثقاً يجعل سياسة الصحة في لبنان ، صحية اذا ارتكزت على قوائم ثلاث هي العلم والتنظيم الاداري والحزم التنفيذي ، ويجعلها علبة اذا ارتكزت بالعكس على التخبط العشوائي الجاهل - وعلى الفوضى
الادارية والميوعة التنفيذية .
نعم هكذا يمكن ان تستقيم سياسة الصحة في لبنان وكذلك من الممكن ايضاً ، ان تستقيم رويداً رويداً فيه ، صحة السياسة .
ورئيس الجمعية اللبنانية للصحة العامة


