

لمناسبة مرور سنة كاملة على وفاة الاديب الشاعر فؤاد سليمان في ١٤ كانون الاول، اذاعت لجنة تخليد الفقيد على اصدقائه ومحبيه بياناً تضمن موجزاً لاعمال اللجنة خلال عام، ونبذة تاريخية لحياة الفقيد مع مقتطفات صحفية عنه.
والقى الاستاذ مارون عبود من محطة الاذاعة اللبنانية، الحديث المدرج ادناه، واردفه حليم الرومي بحفلة غنائية قدم فيها من شعر الفقيد قصيدتي «عطر» و«ضلال».
فؤاد سليمان، في نظري، وحدة شعرية لا تتجزا، هو شاعر في كل ما خطه قلمه من منظوم ومنثور، قد يكون شعره كشعر غيره اما نثره فهو ذو طابع خاص، وكتابه «درب القمر» ديوان شعر له مقوماته وخواصه التي لا تجدها عند غيره. وربما كان هذا الكتاب على صغره، خير ما انتجه شبابنا في الفترة التي عاش فيها فؤاد سليمان. كأني بهذا الاديب الشاعر نظام مستقل في كون الادب، له شمسه، وكواكبه، ونجومه، وكل في فلك يسبحون. فحيثما تصادفه تنبتك عنه خصلتان: عاطفة من نار آكلة وكلمة من حديد محمي.
هو شاعر الالم وكاتبه. فكل ما نراه على موائد الآلام يتجسد في جمل كتبها قلمه الناري. ما رأيته مرة الا تخيلت الزئبق الرجراج. لا يستقر على حال من القلق، هو دائماً متحفز للقفز، فكأن في داخله لولباً يدور افقياً. نصف ابتسامة، بل ابتسامة كالجهشة، وضحكة لا تفتح لك باباً للانطلاق. ما نسيت يوم عرفته في دار المكشوف، فقلت له: كيف يكون سوط النار الذي يسوق ابو شبكة به الشعراء كما قلت؟
فاطرق اطراقة نمر يتهيأ للوثوب ثم قال: مثل السوط الذي تستعمله انت في نقدك لهم.
ما اسرع ما امسى فؤاد سليمان، واأسفاه كلمات نرددها. واكبر هم الاديب هو ان يستحيل في الغد كلمات تجسد لها رواة ومرددين. أجل هذا هو ملكوت الاديب الذي يموت العباقرة على رجائه ويعدون به انفسهم. كان فؤاد من المؤمنين بالوهة الحرف. وكان يقول الصحيح ولو حرقت الكلمة فمه. كما يقول المثل اللبناني. والكلمة دعامة الحياة وركيزة صرح الانسانية، بل هي قوة غير منظورة تلقنها الحياة من يستطيعون تأدية رسالة الحق.
ان تلك الكتلة البشرية التي كان اسمها فؤاد سليمان قد كانت ثورة قائمة برأسها. كانت عاصفة تخبي تحت جناحيها ابتسامة البرق وقهقهة الرعد، فهو وصاحبه ابو شبكة توأمان وان ابتعدا نسباً. يجمع بينهما الشكل والمزاج والعاطفة. كلاهما غنيا قلبيهما اولاً، وهذه المنعطفات والقمم ثانياً. كلاهما ربيبا القرية اللبنانية فكان لها من شعرهما ونثرهما نصيب كبير. انفتحت أذنا فؤاد سليمان على رنين الجرس المترجح في القبة، وكان ملعب صباه تلك البيادر المنبسطة حد بيته في فيع، تلك البلدة الجاثمة على صلعة الجبل. لعب الشاعر ومرح في تلك المطارح الحلوة فانطبعت صورها في نفسه لتستحيل فيها بعد شعراً رائعاً كما تستحيل قبلات النحلة لثغور الزهر شهداً.
وبعد، فلفؤاد سليمان اربعة اثار: ديوان شعر، ودرب القمر، وما كتبه بتوقيع تموز وكتاب في النقد الادبي. وهذه الآثار، وان اختلفت موضوعاً، هي واحدة من حيث الروح والمحبة والبغض. لقد بكر فؤاد في الحنين الى ايام الطفولة، ومراتع الصبا فكأنه كان شاعراً بقرب وفود ذلك الضيف الثقيل عليه.