فضل اكبر ، فهما اللذان ثبتا خطاي في هذا المضمار ، وذلك عندما كنت ادرس في الجامعة الاميركية ، وقد بلغت صف السوفومور ، وكان لي ميل شديد للفنون عامة ، ولفن التصوير خاصة ، فما كان من الاستاذ خليل الصليبي الا ان شجعني على المضي ، اما السيدة قرينته فقد كانت تحثني باطرائها وحسن توجيهها واحساسها الغريب لتفهم الفنون وتذوقه وتكريم ذويه وتشجيعهم ... وكانت السيدة الصليبي من السيدات الاميركيات المثقفات ...
اما زوجتي ، فقد التقيت بها عندما كنت اقيم معرضاً لانتاجي عام ١٩٢٧ وكانت قد قدمت حديثاً من فرنسا ... وقد راقني فيها حسها المرهف في تذوق الفنون ، وشعورها الرقيق في دقة فهمها واستيعابها ، كما انها بدورها اعجبت بفني ولوحاتي فكان اعجاباً متبادلاً انتهى بزواجنا ...
وتابعنا تطوافنا ... وندت عني زفرة حرّى ارسلتها عميقة مخلصة ، ورحت اقم : هل من الانصاف بشيء ان لا يستمتع جميع اللبنانيين خاصة وجميع الناس عامة بمثل هذا التطواف يرون غليلهم من مشاهدة الجمال ويطفئون من شوق نفوسهم المتعطشة ابداً الى الارتواء من ينبوع الفنون الدافق ، الذي يهذب النفوس ويصقل الارواح ، ويضيء القلوب ، ويهدي السبيل ؟ وكان جواب سؤالي هذا عند الاستاذ الانسي قوله :
« انه خطأ الحكومة التي تهمل الفنون والفنانين فلا تفسح امامهم المجال لاقامة المعارض التي تثقف بدورها الشعب وتهذب ذوقه وتجعله يميز بين الغث والثمين - هل تريدين يا آنسة ان اعرض لوحاتي في اماكن غير وطنية ؟
ولم يشأ اغنياؤنا ان يكونوا اكثر اريحية من الحكومة في التبرع لاقامة هذه الدار ، ذلك بان اغنياءنا - كسواد الشعب - ما زالوا امين في ثقافتهم الفنية ...
وتساءلت : ترى ما هو السبب في هذا القحط في تذوق الجمال والفنون عندنا ... وسرعان ما صافح سمعي صوت الاستاذ عمر يقول : لاشك في ان لعدم تشجيع الحكومة ، كما اشرت ، تأثيراً كبيراً ، ثم ان مناهجنا المدرسية مشحونة بكل ما هب ودب من المواد ، الا تلك التي تتعلق بتهذيب الذوق وتنمية حب الجمال والتطلع اليه ...
لم ادر كيف اشكر الفنان عمر الانسي على ترحابه بي وحسن وفادته ... وكم تمنيت وانا اهز يده مودعة لو امهل الوقت قليلاً واسرق منه بضع هنيهات استغرق فيها بين الصنوبر والظل والالوان تعيث بها يد الانسان فتخرجها في حلة رائعة من حسن الصنعة والجمال ...

