تأثير التطور في الامة
لقد اثبت التاريخ، ان اسباب التطور والتغيير في الاخلاق والميل، في التقاليد والعادات كثيرة جداً، سواء أكانت في الافراد والبيئات، ام في الامم والشعوب، وهي بلا شك نتيجة اختبارات كثيرة وتجارب عديدة تعرف اليها من جراء اصطدامات ومشاكل ومصائب، تصيب الافراد والجماعات، فهي التي تهذب ميولنا، وتعقل طباعنا، فيصبح بوسعنا ان نميز الامور الجيدة والصفات الحسنة لنختار منها الافضل والانسب.
قال لامارك وداروين: كل تطور يحدث في الانسانية هو وليد للتطور الذي سبقه.
وقال رولف: ان المصيبة تكسب خبرة، وتشحذ الهمم فتؤدي الى تطور نحو الكمال، فالانسان او الامة التي تعرف كيف تستفيد من الصدمات التي تصيبها هي التي تجتاز شوطاً واسعاً في حقلي التطور والتقدم.
وقال هيراقليط: لا يقع الانسان مرتين في النهر عينه، ومن يسمح لنفسه ان يقع فيه مرتين، يفقد شعوره السامي وقوة الارادة، ومن هذا الاهمال يخلق النقص في الانسان، وبالتالي في الامة.
ان التطور في الانسان، وفي الاسرة وفي الامة يؤدي الى خطوات سريعة نحو المدنية والوطنية الصحيحة ومعرفة الحقائق من اصولها، ومن يتأخر عن مجاراة التطور والرقي، يجعل نفسه كمستنقع ماء تعشعش فيه الحشرات، وتتوالد الجراثيم والامراض. سواء أكانت هذه المستنقعات سبباً لامراض شخصية ام عائلية،
ام اجتماعية، علنا نستطيع ان نتخذ عبرة من هذه الاقوال التي تنطبق علينا في مآسينا وخصوصاً منها مأساتنا الكبرى فلسطين.
يعتقد البعض انهم يرضون الله برفضهم الرقي والتطور، ويلقون هذه المسؤولية الكبرى على ارادته تعالى، فيجعلونه مسؤولاً عن كل اعمالهم، ولكن الحقيقة هي غير ذلك، فالاتكال على ارادته تعالى هي غير المسؤولية الملقاة على عاتقنا، لان مبادئ
الاخلاق واحدة ثابتة لا تتغير ولا تتجزأ، فهذه المبادئ تقول: ان كل انسان مسؤول عن اعماله وعليه ان يتحمل نتائجها.
قال مونتيسكيو: ان الشرائع عموماً مشتقة من الطبيعة واصول الاشياء، لذلك علينا ان نتكل على انفسنا ونتعب ونكد لمعرفة اصول الاشياء وحقيقتها، ونظل نكيّف انفسنا ونتطور لنتخذ الاحسن والافيد.
اما قال النبي الكريم لأحد زائريه لما ترجل عن فرسه وتركها تسرح متوكلاً على الله، اما قال له: اعقل اولاً ثم توكل. فمن هذا القول يتضح لنا ان الاديان الالهية المنزلة تأمرنا ايضاً ان نقوم بواجباتنا وان ندقق وندرس ونبحث عن الحقائق ومعرفة اصولها.
اجل ان البحث عن الحقائق هو من الفنون الاولية الواجب معرفتها، وهو فن علمي محض، ومتى عرفنا الحقيقة في جميع الامور، عرفنا اصولها ومشتقاتها.
قال بالميس: ان الحقيقة في اصول الفهم، هي معرفة توجيه نحو الطرق الصحيحة، والحقيقة في الادارة هي الاستقامة ادبياً وعقلياً، والحقيقة في السلوك هي الخضوع للشرائع القويمة المشتقة من العدل.
وهناك طرق عدة لمعرفة الحقائق التي يبنى عليها التطور، قد تبدو لنا في بعض الاحيان مغشاة غير واضحة، وقد تكون مزاداً عليها او منقصاً منها فتتغير، لذلك على العقل الصحيح ان ينظر في الاشياء، وفي كل ما تحتويها، وما يحيط بها دون زيادة ولا نقصان، واذا كانت الحقيقة واحدة عند الله، فهي كثيرة ومتعددة عند البشر والمخلوقات، مثال ذلك ان معرفة الحقيقة
في العلوم تولد العالم الحقيقي ومعرفتها في اختيار امور الحياة، تظهر الحكماء ومعرفتها في السياسة والاشغال العمومية تولد رجال الدولة العظام، واخيراً معرفتها في جميع المهن التي يتعاطاها الانسان تجعله يتميز عن رفاقه واترابه.
ان اهم واسطة لمعرفة الحقيقة هي على الانسان ان يفكر جيداً وطويلاً، والفن في حسن التفكير لا يلد فقط الفلاسفة والعلماء بل يلد جميع الناس مهما كانت
ليل
الليل ساج والكواكب سهر
والبدر من حسن البهاء صفاؤه
وكذا الجداول لم يعكر صفوها
وعلى البواسق عندليب قد شدا
وهناك ثمة وردة ثم الندى
بعث الظلام بنسمة حملت لنا
عن ظلم طاغ او جفاء حبيبة
يا حسن تعبير دقيق راعني
لحن كنور واقد متسللاً
ليل جميل ما شعرت بطوله
والكون هاد والنيام تخطر
بيدي سناء من لجين يبهر
الا نقيق في الدجى يتحير
لحن الهوى منه العواطف تسكر
اجفانها ومن الحيا تتستر
انات شاك للكمان يعبر
او لحن حب للفؤاد يحير
فكأن في قلبي عواصف تهدر
او سلسل يجري وطيف يخطر
امل تبدى ثم ولى يسخر
سلمى شتيلا
٥٢