المرأة والحصانة الدبلوماسية
اميركا في بروكسل أمت باريس لتقضي فترة استراحة طال امدها وألزمت ذمتها اثناء هذه الاقامة ببعض الديون تجاه دائنين باريسيين ، فتقدم هؤلاء بشكواهم لاستيفاء دينهم ولكن محكمة السين آنذاك قررت اعفاء الزوجة المذكورة من المثول امامها لوجود الحصانة .
اما حصانة الملكة وزوجة الملك وبناته والاميرات ، فأبادر الى القول فيها انه من البديهي ان الفكرة الاولى التي ترتسم في عقل الدارس لهذه الاحوال هي ألا تتميز معاملة السفيرة او المندوبة ، وهي الموفدة من قبل الملك صاحب السلطان ، عن الملك نفسه ، وبالتالي يجب ان تكون الملكة على قدم المساواة مع من اوفدت لجهة تلك الحصانة . ولدينا بعض الامثلة التي اخذت فيها المحاكم بنظرية الحصانة ، واولها ذلك الحادث المشهور الذي اقدمت على ارتكابه الملكة كريستين ( ملكة السويد ) اثناء زيارتها لفرنسا اذ اوعزت بقتل احد اتباعها ، وتحركت العدالة في فرنسا وجرى التحقيق ، ولكن المحاكم لم تقوَ على لفظ حكمها بل اعتبرت ان الملكة يجب ان تبقى بنجوة من قبضة العدالة في فرنسا .
اذن ، ان كانت الاميرة او الملكة على حق في ان تتذرع بالحصانة ، الا ان الغريب ان هذه الحصانة لا تطال زوجة الملك او زوجة الامير ولا بناتها . وفي هذا تطور نحو تضييق مدى تلك الحصانة .
هذه مسألة اخيرة اود ان انطرق الى بحثها قبل ختام هذه الكلمة هي معرفة ما اذا كانت المرأة ان عينت قنصلاً في بلد اجنبي ، او كانت زوجة او ابنة لقنصل ، تستفيد من الحصانة ام لا ؟
لقد اجمع الاجتهاد واتفقت الآراء على ان المرأة القنصل ، اي التي تقوم بمهام القنصلية ، وزوجة القنصل وبناته ، لا تسعهن الاستفادة من الحصانة اطلاقاً اذ ان القنصل نفسه لا يتمتع بالحصانة الدبلوماسية وليس ما يمنع حتى توقيف القنصل وحبسه في الدعاوي الجزائية .
وختاماً لهذا البحث أقول انه من الخطل ان لا تتقيد في عصرنا الحاضر باحقاق الحق دونما التفات الى تلك الحيل التي كان الاجتهاد والفقهاء يقدمونها ليضحوا بسلطان العدالة على مذابح اللياقات الدبلوماسية ، ومن الخسران ان نقول بان اعمال السفيرة او زوجة المفوض يجب ان تخضع كلها لنظرية الحصانة ، لان الافراط في استعمال الحصانة يمكن ان يعدم هذه الاخيرة الخير الذي خلقت ووضعت من اجله ، وتصبح بالتالي اداة للافتئات على حقوق
العباد . وهذا ما حدا ببونابرت ( Bonaparte ) للقول مخاطباً وزراءه وكبار دولته في اجتماع خاص عقده لهذه الغاية : « لِمَ تريدون ان تعدموا روح المساواة بين البشر ، لِمَ تودّون ان تجعلوا الوزراء لا تطالهم يد في البلد الذي يرتكبون فيه خطيئاتهم ويبددون مال الغير ، فلا يجبرون على الدفع ؟ »
كل ذلك حدا بعصبة الامم للتفكير بطريقة جديدة للبت في الدعاوي التي تتكون بين اصحاب الحصانة وبين سائر البشر ، وقد استلهمت في ذلك بعض ما جربه ملوك القرنين السادس والسابع عشر من اعتماد التحكيم وسيلة لفض امثال تلك المنازعات ، ولكن المؤسف له ان كل ذلك لم يكتب له الفوز . فعسى الغد يأتي باصلاح أعم وعسى الدول تقبل في تقييد شيء من سلطتها في سبيل النفع العام والخير المتبادل .

