سائر الركاب وعن البلدان التي مررنا بها، واخيراً كان شيئاً عادياً ان تزور عيادة الطبيب.
صحتي لم تكن جيدة في الاشهر السبعة الاخيرة، ولكن هل انتظر ان اكون مملوءة حياة وحركة وانا اتحمل مسؤولية عائلة بل مسؤولية مزدوجة، اذ انا ام واب لاربعة اولاد منذ طلاقي عام ١٩٣٨؟
تجاهلت دلائل المرض المهددة بترو، ووجدت نفسي بحاجة الى الراحة لانني كنت اغضب لاشياء تافهة وقلق متواصل ألم بي.
اني مقتنعة ان العناية الطبية ضرورية. لكن فكرة السرطان لا نستطيع تقبلها بسهولة فاوهمت نفسي ان ما ألم بي هو هياج في المرارة او الكبد. ان تفكيري السطحي يرفض وجود السرطان، غير انني انتظرت الحكم المخيف بكل قواي الطبيعية.
كان الطبيب ألطف ما يمكن ان يكون بشري عندما ابلغني الخبر. ولو كان اقل تعباً لاستطاع ان يكشف عن المرض احسن وخرجت وفي عيني بريق امل.
سرطان، سرت كالعمياء تحت اشعة الشمس، استريح عندما تقف شارون لتتفرج امام احد المخازن مبتسمة، وكأن يدها الدافئة كانت اثمن شيء في العالم. دخلنا الصيدلية وكانت اشبه بالكهف، اخذت ملعقة من المعجون الابيض والاحمر اللزج، وعندها اكتشفت ان القلق لم يكن فقط في تفكيري بل في كل اعضائي وجسدي الذي تأخر بسبب الصدمة، لم استطع البلع وكنت امضغ الدواء متسائلة كيف يمكن ان يكون الانسان قليل الحركة والحس من جهة ومرهف الحس من جهة ثانية حتى لاتفه الاشياء مثل صوت الورقة ورائحة الفريز او طعم الموت في الفم.
نهضت في ذلك النهار الصعب، واتصلت هاتفياً بشقيقي في كولومبيو اوهيو، واخبرت الاولاد اننا سنغادر «دنفر» في بضعة ايام.
وفي الصباح التالي كانت الحالة تدعو الى اليأس. ذهب الاولاد الى المدرسة ولم يبق في البيت سواي. خرجت الى الشارع اسير تحت حرارة الشمس المحدقة الى ان وصلت الى البحيرة التي تذكرني بالريف. هناك لم اجد زورقاً او جماعة يتنزّهون كما هي العادة، فسطح المياه هادىء صاف كأن الطبيعة كانت تشاطرني حزني.
غلبت على امري ليس من قوة المرض بقدر ما هي من ضعفي الجسدي، لم يكن لنا عائلة ولا اصدقاء في «دنفر» ولم اشأ ان اعترف بضعفي قبل ان ارسل الاولاد الى مكان سليم. وكنت اعلم ان في «اوهيو» في منزلنا سوف يجدون من يعتني بهم، اعني اهلي الذين يحبونهم مثلي.
اني لم ارتكب اثماً في حياتي، فلماذا يا ترى نزلت بي الاقدار هكذا واجبرتني على ترك الحياة؟ وفجأة ارتجفت في تلك البقعة تحت حرارة الشمس وشعرت انني اسير على قبري، وفي طريقي الى البيت لم ار شيئاً فقد كنت عمياء القلب.
اعددت كل ما يترتب علي للرحيل الى «اوهيو» وارتقبت مجيء «دوروثي». كنت اشتغل بجنون وافضل اي عمل على الجلوس. ثم اقلتنا السيارة في طريقنا الى «اوهيو».
لا ازال اذكر بعض المناظر في تلك
الليلة، رأيت النجوم معلقة في السماء وشعرت في تلك الاثناء بعدم وجودي وضعفي امام هذا العالم الكبير.
كان هنالك مزارع صغيرة خصبة بين الاحراج والتلال. وفي تلك البقعة رأيت ان الاولاد كانوا فرحين جداً، كان رأس «دك» الصغير مسنداً الى الشباك وفكرت كيف ان نظرات والده قد انتقلت اليه. «جتري» كان اجملهم، «دين» كان حالماً، و«شارون» الصغير كان يمجنا جميعاً. انهم باقة حلوة جميلة ساتركها من بعدي ليكون لي عذر فلا يقول احد لماذا اخذت فسحة من الارض ولم تعطنا شيئاً!
وعادت الي الذكريات حالما اقتربت من البيت فتملكني الخوف واغرورقت عيناي بالدموع والتفت الى الاولاد فاذا هم يلعبون فرحين.
دخلت البيت وقد زينت قاعة الاستقبال بالزهور واحاطتني شقيقتاي بعطف وحنان، فشعرت براحة نفسية، واجتمع الاولاد ليتعرفوا على كل جديد.
في الصباح التالي ذهبت لزيارة الطبيب الاختصاصي بالسرطان ويدعى «سكت» فقال: «ان السرطان قد أخذ حداً كبيراً ولكن سوف نعالجه بكل ما اوتينا من اشعة ومعلومات». سألته: «أيكفي هذا؟» فوعدني انه لن يتأخر علي في استعمال كل طرق الشفاء. فشعرت بشيء من الاطمئنان ودخلت الى غرفة اشعة «X» وعجبت للآلة التي رأيتها لاول مرة في حياتي والتي اصبحت

