من أشواك العصر
لهبة الوادي
يا لهم كيف وصفوها وكيف صوروها قبل ان اعرفها .. !
قالوا : « إنها فتاة صرعت الزينة عقلها ، فهي في يومها منهمكة بما ستلبسه في غدها ، وهي في آنها تفكر بآخر الازياء تجلبها من لب البلاد الاوروبية لو استطاعت ، وهي الى ذلك غريبة الطباع تنفر بمن يتحبب إليها ، قاسية في كلامها ، جارحة في تهكمها . وهي ايضاً لا تستسيغ مكاناً ما لم تعج به موسيقى العصر الصاخبة ، ولا تحادث الا من لوت لسانه رطانة أعجمية من افرنسية او انكليزية .. وهي ، وهي ... حتى التقيت بها وعرفتها :
لم يكن في مظهرها ما ينبي عن حب البساطة التي تشع صافية في نفسها ، فخصلات شعرها معقوصة الى الاعلى في تموج اصطناعي ظاهر ، بينما يرتفع حاجباها بخط مقوس يتم سيره حتى يلتقي بشعرها ، وتخضب أعالي وجنتيها بالاحمر الكثيف ثم تعود فتلون شفاهها بما ينزاح قليلاً عنهما من هنا وكثيراً عنهما من هناك .. !
ولكني رأيتها بأم عيني ، تلك التي وصموها بالجود ، تقضي امسياتها في شرفة الكلية الواسعة المطلة على البحر والجبال معاً ، تقرأ بصوت خفيض في كتاب أنيق الغلاف ، لم أكن أتبينه بادئ الامر غير ان ما كانت تذرفه من دموع وما تبديه من وقار وجلال ، دفعني ان اتبعها من نافذتي حتى وقعت على اسم الكتاب ، واذا هو « القرآن الكريم » في ترجمته الانكليزية .
وكانت - من وصمت بالشراسة - تتلهف دائماً لمقدم طفل صغير يأتيها في بعض الايام ، عاري القدمين نحيل الجسم ، يلبس رداءً صوفياً متهالكاً ، فتملأ جيوبه بالدراهم والحلوى وتهبه الملابس وهي تربت على كتفه الصغير حتى يعود وقد أشعل العطف وجنتيه الباهتين .
وكانت تقف - من وصمت بالتهكم - مواقف الرفعة حين كانت تسمع من احدى الفتيات لمزاً عن فتاة اخرى او حطاً بها ، فتجابهها ببلاغة تهكمها مدافعة عن الغائبة الموصومة بنبرة صادقة فيها من
الروية بقدر ما فيها من الصدق والاخلاص .
كانت تشعر انها تعيش في عالم ينفر بعيداً عن عالمها الحالم الوديع ؛ فهي مغمورة بطمأنينة الايمان ، منجذبة بدنيا الحب الواسع النبيل . ولكن سخرية من حولها ، والتهكم الوقح فيمن عرفت ما كانا ابداً ليثنيانها عن حب الخير العميق تشيعه ابداً في كل من تعرف وعن كل من تسمع .
فيا ويل تلك النفوس تلهبها احكامنا بالنار ويكويها حمقنا بالشرر ولكنها تعود فتنفحنا من مودتها واحسانها ما يعصف بالضمير وبالروح جميعاً .
ويا ويل تلك النفوس وهي في مجزرة أخطائنا وظلمنا ، نهبها السم والمر حاسبين انها وسيلتنا الى اضعافها وغايتنا الى النيل منها ، فاذا هي أمام أعيننا تنطلق في مجالي وجودها يحيطها النور المزدهي والقوة المشعشعة ، وتغمرها الرحمة فينا والعطف الكبير علينا ...
فيا هناء تلك النفوس يا هناءها . !


٢٥