جرت العادة ، منذ القدم ، ان يجرد التاجر في مطلع السنة كل ما له وما عليه وان يبحث بحثاً مدققاً عما كان السبب في ربحه او في خسارته طيلة السنة الغابرة ، ثم يقرر على ضوء نتائج تلك الابحاث المفصلة خطط السير للسنة المقبلة . هذه العادة لم تعد تقتصر على التجار فحسب بل صار يتمشى عليها ايضاً معظم ارباب المصالح مهما كان نوعها كقياس للتقدم وكدافع لاستمرار النمو والرقي .
هدفي في هذه العشية هو ان الفت نظرك ، قارئتي الكريمة ، الى مخزن خاص بك يحسن جرده والاستطلاع على مكنوناته في مطلع هذه السنة الجديدة فهذا المخزن يحتوي على اثمن ما لديك من حلي واجمل ما تملكين من مفاخر اذ هو المحيا الامين لجميع افكارك ومشاعرك وتأملاتك . فهلا تجلسين معي بعض الوقت نستعرض معاً مجموعة تلك الافكار والتأملات التي تكوّن شخصك قصد الوصول الى وسيلة تضمن لك استمرار النمو النفسي ؟
ان اول سؤال اريد ان اوجهه اليك هو : هل انت على وفاق تام مع نفسك ؟ أنت راضية تمام الرضى عن جميع ما تأتين به من تصرفات وما يخالجك من شعور ؟ ام ان هنالك بعض العادات التي تزعجك احياناً اذ تظهرك بغير المظهر الذي ترغبينه امام اصدقائك ومعاشريك ، فتتألمين كثيراً من وجودها لظنك ان لا سبيل الى التغلب عليها لانك طبعت بهذه العادات منذ كونت وما عليك سوى ان تتقبليها كجزء منك ثابت لا يتغير . ولكني ابشرك بان التجارب العلمية قد برهنت ان الطرق ذاتها التي تقود المرء
الى انماء عادة ما هي نفسها الوسيلة التي بواسطتها تُلغى تلك العادة ، لذلك بامكانك التغلب على ما لا ترغبين من طبائع ، ان انت اتبعت الخطة التي سأعينك الآن على رسمها والشروع في تنفيذها .
هاتي قلماً وورقة وتعالي نبدأ بالتنفيذ ضعي اولاً لائحة بالمزايا التي لا ترغبين فيها حللي نفسك جيداً وكوني صريحة ومخلصة في تحليلك ولا تخجلي لأن لا احد سيطلع على اللائحة سواك . اليك عدداً من المزايا غير المستحبة لتساعدك في هذه المهمة : قلة الصبر على تحمل الصعوبات ، قلة الثبات في العمل ، النرفزات العصبية على انواعها ، حماقة الطبع ، النزاقة ، عدم المراعاة لشعور الآخرين ، قلة اللياقة ، الخوف ، الحياء الزائد ، الكبرياء ، عدم المبالاة ، الحسد ، البغض ، الغضب ، التطفل على حقوق الآخرين وغيرها .
ثانياً : بعد ان تحللي نفسك بدقة اختاري ، من المزايا التي لا تجدينها ، الميزة التي تودين التخلص منها اولاً . ضعي جنبها علامة لان تعيين الخطأ والتنبه اليه هو خطوة اولى ضرورية لاجل التخلص منه . تذكري كم مرة سمعت اناساً يتحدثون عن الآخرين ويقولون : ما كان اعظم شخصية تلك السيدة لولا كثرة انتقادها للاخرين وتكبرها عليهم او يا ليت كان بامكان تلك السيدة الجميلة ان تكترث بالناس وبامورهم ، فهي لا تعيش الا لنفسها ، او يا ليت كان بامكاني ان اضبط نفسي عن الحق واعالج الامور بهدوء اعصاب وتروٍ ، او لو كان بامكان تلك الفتاة ان تتكلم بصوت انعم وبلهجة ألطف في المجالس لكان اعجاب الناس بها عظيماً . الى ما لا نهاية له من « لو »
و « ياليت » . فهذه العادات التي قلما نكترث جديا لها قد تمكن من تلوين شخصيتنا بالوان لا يستحسنها معاشرونا فتبعدهم عنا شيئاً فشيئاً دون ان يشعر احدنا بذلك .
فما علينا سوى ان تنتبه اليها وتصمم على اقتلاعها وابدالها بعادات مغايرة تزيد شخصيتنا رونقاً وبهاء بدلاً من ان تطمس عنها النور .
ثالثاً : اذا وجدت ، وانت تستعرضين المزايا التي تريدين استبدالها ان بين المزايا التي وضعتها في لائحتك مزية لا يمكن التغلب عليها اما لانها فسيولوجية كنتيجة لمرض ما او لأي سبب آخر فاقبليها ولا تأبهي لها ، وتذكري ان كثيراً من الناس يتمكنون من تنمية شخصيات مستحبة جذابة بالرغم من نقص فسيولوجي شرط ان يقبلوا هذا النقص دون تذمر وينسوا وجوده ويصرفوا جهودهم في انماء مزايا في انفسهم تنسي معاشريهم ايضاً ان هنالك نقصاً بهم .
رابعاً : لا تدعي المخاوف والاوهام او الشعور بالنقص او الحياء الزائد او اي شعور انك دون غيرك من الناس ، يتغلب على تفكيرك ويسلبك لذة الحياة ومرحها ، بل ارمي بهذه الاوهام الى الوراء حيث تبقى مطمورة لا يعلم ولا يشعر بها احد الى ان تزيلها الايام من مخيلتك .
خامساً : احذري من الشفقة على النفس فلا تنوحي ولا تندبي سوء حظك ولا تفكري بالمصائب التي حلت بك . واياك ان تحاولي جذب الانظار اليك كوسيلة لتغطية عيب او نقص قد يكون كامناً في نفسك ، بل الافضل ان تنمي
