الرقي ، او مقياس نقيس به ارتفاع المستوى او انخفاضه .
ومن الذائع ان صحيفة التايمز اللندنية أقل صفحات من صحيفة نيويورك تايمز ، ولكنها لا تقل عنها شمولاً لما يهم من الانباء ، واغلب الرأي انها اعظم منها اثراً سياسياً . وقد كانت الدايلي تلغراف قبل الحرب العالمية الثانية تصدر في صفحات كثيرة كل يوم ، فلما حدد مقدار الورق المتاح للصحف في بريطانيا ، صارت تصدر في اربع صفحات او ست صفحات ، ولكن ذلك لم يخفض مستواها ، وإنما حمل محرريها على طرح المبتذل من القول ، والافاضة التي لا طائل تحتها ، والعنوانات الضخمة ، وظلت بعد ذلك صحيفة يومية في الطليعة ، خبراً ورأياً . وعلى ذلك تقاس نواح اخرى من صناعة الصحف .
وصحف لبنان كصحف كل بلد في العالم تتفاوت في اكثر هذه الخصائص ، ولكنني ارى فيها كل يوم ما يدل على براعة في جمع الاخبار وحذق في عرضها ، واطالع فيها كل يوم افتتاحيات او مقالات تنشر تحت عنوانات خاصة ، فاعجب بالرأي او التوجيه ، وهي على كثرتها تتداولها ايد كثيرة ، ولو كانت الوسط اكبر والاقبال اعظم لكان في وسع كثير من هذه الصحف ان تبلغ مرتبة الطليعة بأي مقياس قستها .
وما دام تعدد الصحف ناشئاً عن رغبة صاحب كل رأي في ان يتخذها وسيلة للاعراب عن رأيه في مسائل الامة والعالم ، وما زال صاحبها دقيقاً في نقل الاخبار اميناً مخلصاً في ابداء الرأي ، فالكثرة نافعة وان كانت مرهقة لجيب من يهمه ان يطلع عليها جميعاً او على اكثرها . ورب صحيفة قليلة الانتشار غير متقنة الاخراج فيها من الرأي والتوجيه ما يرام ، واذن فلا مكان للسؤال عن كثرة الصحف وهل هي « تقلل من اهمية الجرائد المعتبرة » فصفة « الاعتبار » نسبية . والجريدة التي لا تجد عدداً كافياً من الناس يعدها « معتبرة » ويشتريها ليطلع عليها ، سرعان ما تضيق بها سبل العيش فتكف عن الصدور .
وعلى كل حال فتعدد الصحف التي يملكها افراد ، افضل من ان يسيطر فرد واحد على صحف متعددة .
