كنت وما زلت من المعجبات بالمرأة في الغرب منذ اليوم الذي عرفتها فيه تلميذة على مقعد الدراسة جادة في عملها اليومي مندفعة نحو الواجب بارادة صلبة وعزم اكيد .
ولقد قدّر لي في الصيف الماضي ان اتعرف إليها عن كثب في محيطها الاجتماعي الاوسع والمس المجهود النادر الذي يغذي هذه الحيوية ويكفل هذا الفيض من النتاج الايجابي الذي تقوم به وحدها .
وبودي الآن ان أردد ما حاولت ان اقوله مراراً لتلميذاتي في العشرين سنة التي خلت بان لا تقدم في أي مجتمع كان إلا اذا استخدمت المرأة الحكيمة كامل حيويتها لما به الخير الشامل .
رأيت بام عيني كيف ان للمرأة في الغرب رسالة محددة الاهداف والغايات مبنية على دعائم ثابتة من المبادئ الانسانية القوية وتألمت يوم تبقنت ان لا رسالة لنا نحن نساء لبنان خاصة والبلدان العربية عامة . لا رسالة لنا تكتنف النشاط الحيوي الذي نحاول ان نقوم به . فكل منا يعمل في دائرته الخاصة وكل يجاهد لفته الضئيلة . ولكن البرنامج الموحد الاكبر مفقود وبعيد عن مرآنا .
رسالة المرأة في الغرب رسالة شاملة عامة تتحسن النظام القومي الاكبر وتعمل بكل ما اعطيت من القوى لتكفل هذا النظام .
لا يمكننا ان نطلب تضحية اعظم من التي قامت بها المرأة في انكلترا يوم قبلت ان تتحرر من مطالبها المادية لتضمن لبلادها سيادة داخلية ثابتة .
وهي اليوم بعد مضي زمن ليس بالقصير على احداث الحرب القاهرة لا تزال تتقيد بالتقنين وتراعي اقتصاداً صارماً في مطالبها . فلا تلبس الا ما يحاك في بلادها ولا تأكل الا ما يصنعه العامل في
اراضيها ولا تقبل على أي شيء مهما احتاجته اذا كان في ذلك ضرر لليد العاملة في وطنها .
تعلمت ان لا تحب الحرائر لانها لا تحاك في معامل البلاد وان لا تشتهي ادوات الزخرفة والتبرج لانها من وارد الخارج . تعلمت ان صناعة بلادها هي أفضل الصناعات ومؤسساتها هي احسن المؤسسات وهكذا اقتنعت بضروريات العيش الجسدي كي يظل الوطن متمتعاً بحرية ، سؤدد واستقلال .
المرأة في الغرب رأت من الضرورة ان لا تعيش في مستوى يحرك في اهل الفاقة والعوز الغيرة والحسد ويخلق جواً من التمرد والعصيان في المجتمع الاكبر . نعم هذا ما يشعر به الغريب اليوم حتى في الاوساط الارستقراطية في انكلترا . وحقيقة الامر ان هناك ارستقراطية العقل والثقافة والفن لا ارستقراطية المحتدود المولد وارستقراطية الاعمال النبيلة الثابتة لا ارستقراطية النظام البائد .
كل هذا جاء نتيجة قبول المرأة في الغرب الاوضاع الراهنة وتحررها تحرراً صريحاً من ربقة المادة . ألم تكن هذه العوامل او السبب الاساسي في صوت العائلة من الانهيار ؟
رسالة المرأة في الغرب رسالة ثقة بنفسها وبامكانياتها ، لقد تعلمت باكراً ان تعتمد ارادتها ، ان تقوم بواجباتها بلا معونة رهط من الرجال حولها . تعلمت ان لها عالمها المحدود ويمكنها ان تكون سيدته اذا راعت فيه النظام والترتيب فأخذت تفكر لنفسها وتعتمد
الحقائق ومن يعتمد الحقائق فلا خوف عليه من التضعضع . فهي لا ترتبك عندما تتراكم عليها المسؤوليات ولا ترتعب عندما تجابه الاحداث والكوارث ، ولا تخشى عندما تصدمها التقادير . هي جبارة تقابل الحياة يهدوه اعصاب ورزانة وتعقل لا بعاطفة جامحة صاخبة وارتباك نفساني عنيف .
هذا ما رأيته بام عيني يوم لمست اثر المصاعب والاحداث التي اجتازتها المرأة في انكلترا إبان الحرب الاخيرة .
وهي اليوم مع مضي زمن ليس بالقليل على هذه الاحداث ، لا تزال تقبل بانظمة قاسية لان مصلحة البلاد العليا تفرض ذلك .
تعلمت اعظم مثائل الحرمان واشد انواع الاقتصاد في الملبس والمأكل وخلقت حولها جواً من القيم الروحية الثابتة اذ اندفعت بكليتها نحو الاعمال المحسوسة المفيدة .
ما أسعدها بلاداً تعرف نساؤها ان اهم ما في الوجود لا يقاس بالعين المجردة .
منذ نحو من خمس وثلاثين سنة كانت اوروبا تقيم الحفلة تلو الحفلة لتكرم أعظم عامة عرفها عصرنا اعني مدام كوري فاتفق ان تنبهت هذه العائلة في خلال هذه الحفلات الى الحلي الساطعة على صدور النساء الارستقراطية في باريس . وعندما عادت الى منزلها الوضيع قال لها زوجها لقد لاحظت ان الماس البراق على صدور النساء استرعي انتباهك اكثر من المعتاد واني اعهد فيك عدم اكتراث بهذه الامور الدنيوية . فأجابته مدام كوري بما عرف عنها من البساطة وسرعة الخاطر : كنت اعد كل حبة وكل قطعة واحسب اثمانها الباهظة وأتمنى لو تجمع يوماً لتباع ولتُبنى باثمانها المختبرات والمستشفيات ودور العلم ولبتباع نحن حصة وافرة من الراديم

