«... في هذه البلاد الشرقية كثير من القلوب اللينة المترهلة بل القلوب المائعة الذائبة. قلوب تذوب كلما ناح الحمام، قلوب تميع كلما اهتز الورد في الاكمام... قلوب تسيل هياماً كلما تلألأت شمس الاحلام... قلوب مائعة ذائبة على الدوام... ونحن... ونحن في زمن الحديد والكهرباء!».
هذا ما نفخه ريحاني الفريكة في ناقوسه ولا ادري الى اي القلوب قد يتسرب هذا الصوت... اذ اننا لا نزال في ريعان ميوعتنا نسبح في خضم الفوضى واللامبالاة والاستهتار والترهل الخلقي.. لا نفهم من حقيقة وجودنا الا وجودنا وحده!... حالةٌ مؤسفة هذه والحق يقال... حالة تدفعنا الى التفتيش عن المرأة وهي بطبيعة الحال الأم والأخت والزوجة... ألم يقولوا رحمهم الله: «فتش عن المرأة!...».
ان مدنية القرن العشرين وياسوء الحظ قد صقلت وجهها ومظهرها ولسانها ولكنها لم تتوصل الى جوهرها.. الى كنهها... الى اعز واثمن ما تملكه في هذه الحياة... الى سرها الذي افتتن به الرجل والتجأ اليه مشدوهاً مسحوراً خاضعاً الا وهو انوثتها... اذ ان تلك الانوثة لا تزال في طور الميوعة تسيل وتندلق في كل مناسبة ولكنها تجمد في كل قالب يحتضنها وهذا ما يجعلها كريشة في مهب الريح تحلق في خيال لا يتصل بارض الحقيقة ولا يتفاهم مع الواقع وهذا ايضاً ما يفرض على حياتها الجزر المتتابع..
نعم انها تعتز بانوثتها البكر وتحاول ناجحة فرضها في كل المناسبات فتتيه بدلال احمق في اروقة مجتمعها وكأنها تذكر دوماً بانها هي... حواء الانثى.. زينة
حياته... ولكن هذا لا يكفي فالانوثة لا تعني الدلال المستهتر والغنج الطائش والعاطفة المتأرجحة. اذ انها كالعقل تحتاج الى صقل معنوي... الى بلورة نقية.. الى توجيه صحيح... ورسالة المرأة ليست رسالة وردة الحقول وحسب... ولن تكون انوثتها هذه عقبة منيعة في تطورها نحو النضوج الاجتماعي...
ليس التكلف في النطق والابتسامة والسير والحركات من مظاهر الانوثة الحقة ولن يتمم شروطها معطف «جاك فاتي» او شال باريس ولا تدل عليها ضحكات مغناجة رنانة او تصنع الخوف من الحشرات والحيوانات الاليفة. فأنوثة
المرأة الحقة هي أبعد واسمى من أن تنعكس في مظاهر سخيفة كهذه... فهي لا تذوب في المحن والنكبات ولا تجن من صغائر القطط ولا تألم وتنوح من طفيف الآلام ولا تفتن بالألوان السرابية الوهاجة والكلمات الرنانة المعسولة التي تطفو على الذاكرة كما تطفو الفقاقيع على وجه المياه.
فالانوثة المصقولة وان اختلفت عن الرجولة تثبت الاقدام على الارض وتبلور التفكير وتنضج العواطف كما انها تدوزن اوتار القلب فتغدو صاحبتها زينة المجتمع وخبز مائدته...

